‏إظهار الرسائل ذات التسميات سكك و دروب. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات سكك و دروب. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 26 أكتوبر 2010

تنذكر ما تنعاد

كانت خطواتها واثقة خفيفة كمن يحب لأول مرة ، أو كأنها تخطو فوق سحابة وردية من غزل البنات وضحكتها صافيه جدا و كأنما عاد بها الزمن خمسة و عشرين عاما للوراء ، وكأنما تتعرف للمرة الأولى على لذة أن تتخذ قرارا وتنفذه فى الوقت الذى تحدده هى ، كنت أعرف هذا الشعور فتركتها تستمتع به لأقصى مدى ..
- عايزين نشرب حاجة احتفالا بالمناسبة السعيدة دى
- حاجة ايه؟
- قصب طبعا .. مشروب السعادة .. ولا انتى شايفة ايه؟
- وهو كذلك ..
توقفنا عند أقرب بائع عصير فى الميدان الواسع وشربنا معا نخب طلاقها بعد خمسة وعشرين عاما من المعاناة ..
- فلتحيا الحرية
قلتها ضاحكة فأومأت مواقفة قبل أن تشرب ما تبقى فى كوبها دفعة واحدة ..
عندما ركبت القطار هذا الصباح لزيارتها بهدف تهدئة الأمور بينها وبين زوجها لم أكن على أدنى علم بما كانت هذه المسكينة تعانيه طوال هذه المدة .. وكنت أحلم بأن أنجح فى إعادة الأمور لسابق عهدها الذى كنت أظن أنا فيه استقرارا عائليا .. ليس لها وله فقط ، ولكن للأولاد قبل أى شىء .. بالرغم من الانقباض الذى لازمنى منذ ان استيقظت من حلم سخيف وجدتنى فيه فى منزلها وجدارا ما يتهدم بسبب تسرب الماء إليه من السقف .. من وقتها وأنا أشعر ان مكروها سيقع .. وأن الأمور ستسير فى عكس الاتجاه الذى أريده لها ..
انتهينا من القصب و توجهنا إلى محطة الترام أو كما تسميه " الزقزوقة " .. وجلسنا بانتظار الترام الذى سنستقله إلى رمسيس .. حيث محطة القطار الذى سيحملنى الى منزلى يلازمنى وإلى الأبد إتهاما مِن زوجى وأبنائى وكل مَن لم يحضر طلاقهما بأننى " جيت أكحلها عميتها " ...
- أهه المترو جه
- لأ ده اللى جاى من رمسيس ، بتاعنا ماشى كده
أشارت بيدها إلى الاتجاه الصحيح ، مما أشعرنى بالخجل من جهلى الدائم بالطرق والمواصلات بالرغم من تعدد زياراتى لها بالقاهرة ..
كنت أعلم أن زوجها ليس بريئا كما يدعى ، فأنا أعلم طباع أختى تمام العلم ، كانت أكثرنا حنانا ورومانسية إلى حد السذاجة ، وكانت قدرتها على التسامح تدهش الجميع .. لابد أنه أخطأ وبشدة كى تتحول إلى هذه المرأة القاسية التى فاجأنى بها اليوم حتى وددت أن أصرخ فى وجهه " انت ازاى خليتها بقت كده ؟ " ...
- أهه المترو جه اهه
قالتها فقفزنا إليه ووجدنا مكاننا بسهولة ، ربما لأن الساعة تجاوزت العاشرة مساءا فليس الإقبال عليه فى أوجه .. بجوار النافذه جلست هى وفى مواجهتها جلست أتأملها .. كانت تبدو مشرقة كيوم أخبرتنى عنه للمرة الأولى .. دعك من آثار الزمن التى بالكاد تبدو على وجهها الطفولى رغم كل شىء .. بدت حيوية وعاد بريق عينيها شديدا كما فى ذلك اليوم ، عندما سألتها عنه فأجابت وهى تكاد تطير :
- عارفة كل حاجة حلمت بيها فى يوم من الأيام ؟ هو ده ..
رباه .. لماذا إذن انتهى الأمر بهذه الطريقة المأساوية ؟ وكيف ظلت هى خمسة وعشرون عاما تخفى عنى و عن الجميع حقيقته التى اكتشفتها بعد زواجها منه بأيام ؟
تكرر مشهد طلاقها فى ذهنى وتذكرت كيف ظلت حتى اللحظة الأخيرة محتفظة بهدوئها وثبات أعصابها ...
- انتى عايزة ايه دلوقتى؟
- عايزة اتطلق .. طلقنى ..
ظلل يكرر سؤاله وظلت هى تكرر جوابها بذات البرود ، وكدت أنا أفقد الوعى عندما قال لها بغضب " انتى طالقه "..
حينها انفجرت تسرد تفاصيل زواجها التعس الذى أخفته منذ زمن ، تاريخ مقزز من سوء المعاملة و الإهانه التى وصلت كثيرا الى حد الضرب ، الكثير من السباب و التجريح ، الكثير من الشك وعدم الثقة ، الكثير من الخيانة التى لم تستطيع المسكينة تحملها أكثر من ذلك .. والتى كانت السبب فى نهاية الموضوع .. أخبرته بسخرية أنها أتمت الأشغال الشاقه المؤبدة التى كتبت عليها منذ تزوجته حتى آخر المدة .. وآن لها أن تحظى بحريتها الآن .. وواجه هو الأمر بالكثير من الصمت ..
كانت تعبث بأصابعها فى دبلتها الذهبية فسألتها عما تنوى فعله بشأنها فقالت أنها ستحتفظ بها فى إصبعها رغم كل شىء .. ليس تمسكا منها به وإنما كى لا يثير الأمر الكثير من التساؤلات ، فلم تكن تنوى إذاعة الخبر ، خصوصا وأن أيا منهما لن يغادر المنزل ..
- اللى يريحك يا حبيبتى
- مش فكرة اللى يريحنى انا مش قادرة أقولك الدبلة دى حاليا خانقانى قد ايه ، بس الفكرة انى مش ناوية أقول لحد فى الشغل ولا فى صحابى .. مش عايزة جو مصمصة الشفايف والطبطبة و " اخص عليه الخاين " .. خلينا كده أريح .. واذا كنت استحملته هو شخصيا خمسة و عشرين سنه ممكن أستحمل دبلته كام سنه كمان لحد ما ييجى قضا ربنا ..
- بعد الشر عليكى يا حبيبتى ربنا يديكى طول العمر
ابتسمت .. كانت تسوية بقاء الاثنين فى المزل مع استقلالها بملابسها وفراشها فى حجرة أخرى هى آخر ما توصلنا إليه من أجل الأولاد .. وكانوا - الأولاد - على الرغم من صغر سنهم نسبيا متفهمين تماما لحقيقة الوضع الجديد ، وعلى ثقة تامة أنهما اتخذا القرار الصحيح أخيرا ..
- هو البتاع ده بيقف كل كام متر كده ليه؟ كده ممكن منلحقش القطر
- متخافيش احنا نازلين بدرى عن معادنا بساعة مخصوص عشان نركب الزقزوقة .. كنت محتاجه شوية الفرجه دول أوى دلوقت ..
ابتسمت .. مازالت - بعيدا عن كل شىء - محتفظة برومانسيتها وقدرتها على أن تجد الجمال فى كل ما يحيط بها .. كيف استطاع ان يجرحها ؟ كيف استطاع أن يهينها ؟ وما الذى لم يجده فيها ليبحث عنه لدى سواها ؟ بل كيف استطاعت هى التعلل بالأطفال للاحتفاظ بزواجها منه بعد كل هذا ؟ كاد عقلى ينفجر بينما بدت هى راضية هادئة مستمتعة بالوضع الجديد ..
أخذنا الحديث عن تفاصيل ما حدث وتناقشنا فيها ثانية .. كيف بدا هو مذهولا بعد ما حدث وحاول التحدث معى بعدها عن ردها وما إلى هذا .. وكيف رفضت هى ومازالت ترفض مجرد الحديث عن الأمر كخيار قائم رفضا باتا .. من أين لك كل هذا التحدى يا صغيرتى ؟ ومن أين لك كل هذا العناد ؟
كنا قد وصلنا إلى رمسيس أخيرا .. القطار وصل وباقى على موعد قيامه ما يقارب نصف الساعة .. ليس من المنطقى أن تنتظر معى كل هذا لذا وبمجرد أن استقريت فى مقعدى طلبت منها المغادرة حتى لا يتأخر بها الوقت عن هذا .. ولم أسمح لها بالرفض هذه المرة ..
- مع السلامة يالا و خلى بالك من نفسك ومن عيالك ، ومتحتكيش بيه خالص انتى فى حالك وهو فى حاله
- من غير ما تقولى احنا كان بقالنا شهرين منفصلين ومبنكلمش بعض من غير طلاق .. فاللى حصل النهاردة كان مجرد رسميات مش هتغير حاجه .. انا بطلت اعتبره جوزى من زمان ..
أطرقت مشفقة .. ولكننى كنت أعلم انها لن تتحمل نظرات الرثاء فتجنبتها ..
- حلو أوى .. ارمى كل اللى فات ده ورا ضهرك وانسيه.. وخلصى عدتك يالا عشان نجوزك تانى بسرعه .. عايزين نسترك
قلتها ضاحكة فانفجرت بالضحك .. مرددة أنها لا تطيق النظر إلى أى شىء مذكر بعد الآن ...
- بيتى مفتوحلك فى أى وقت لو عايزة تسيبيه .. متفكريش
قلتها بالجدية المناسبة وكنت أعنيها .. أومأت شاكرة دون كلام .. واحتضنتها طويلا قبل أن تغادر القطار .. وعندما رأيتها تمر بجوار نافذتى لوحت لها فلوحت ومضت .. بخطواتها الواثقة الخفيفة ، وكأنها تخطو فوق سحابة وردية من غزل البنات ..

الثلاثاء، 19 أكتوبر 2010

الثوب الوردى

كان الجو صاخبا جدا كشأن أفراح هذه الأيام ، وقد اختاروا لنا طاولة بجوار مكبرات الصوت الضخمة بهدف الامعان فى تعذيب من لا ينهض للتقافز حول العريس والعروسة كما يفعل كل الشباب .. نهض الأولاد لأداء دورهم الوطنى وبقيت أنا وزوجى وأختى وزوجها .. يثرثر الرجلان عن أخبار المعارف القدامى ومن قابلهم فى الفرح مصادفة وتثرثر أختى عن اعدادات الحفل والعروسة وأنا أستمع وأهز رأسى بما يعبر عن موقفى من اتفاق أو اختلاف ..
- عقبال مى
- ميرسى يا حبيبتى فى حياتك
بالبطع مى هى ابنتى الكبرى والتى تلتهمها الأعين كما أرى .. تلك الفراشة الرقيقة التى تتنقل بين المدعوين فى ثوب وردى مكشوف الذراعين .. لا أدرى لماذا يبدو منظرها فى ثوبها هذا مألوفا لى ، وكأننى ارتديته فى حياة أخرى .. هل تقدم بى العمر لهذا الحد ؟
مى الجميلة التى يتوقع الجميع زفافها فى غضون عام على الأكثر .. حسنا .. تلك أمانيهم التى لن تغير شيئا من خطتها التى تشمل الكثير والكثير من الانتظار ، والكثير والكثير من السنوات المهدرة عبثا باسم الحب .. كانت - كما كنت فى سنها - رومانسية عنيدة ، فلتفسد حياتها كما تشاء فحق التحامق مكفول للجميع كما نعلم .. ألم أفعلها يوما باسم الحب أيضا؟
ارتفعت ضحكات شاكر فجأة فأجفلت .. شعرت أنه يقرأ خواطرى بطريقة ما .. نظرت إليه فلم يلاحظ فعاودت النظر لعليا التى تثرثر الآن حول البوفيه ..
لا أدرى هل هذا هو الطبيعى أم أنها رومانسية زائدة منى .. فكل الأفراح تجعلنى اعيد تقييم حياتى .. أين كنت وأين أصبحت وأين كنت أريد أن أكون .. ترعبنى تلك الفجوة الشاسعه بين ما أنا عليه الآن وما كنت اتصور أننى سأكون عليه .. ربما لهذا أكره الأفراح كثيرا ...
تأملت شاكر قليلا .. بالطبع لم يعد على أدنى صلة بالرجل الذى تزوجته وقتها .. وأنا لا أعنى شكلا فقط فلطالما حلمت به عجوزا أحمقا ممتلئا .. ذهب شعر رأسه الى غير عودة وازداد سمك عويناته .. وانتفخ بطنه ليكون كرشا مميزا .. وفقد كل شىء إلا حبى .. رباه ... هل كنت حمقاء الى هذا الحد؟
اقتربت أختى الكبرى - أم العروسة - من طاولتنا وسألت عما اذا كنا بحاجة لأى شىء فأجبنا نفيا ..
- مايسة عايزاكى شوية
قالتها لى فنهضت ، انتحت بى جانبا وبدت الجدية على ملامحها
- سامية بره وعايزة تسلم عليكى .. تحبى تطلعيلها ولا شاكر ممكن يضايق؟
- سامية مين؟
- سامية أخت صلاح
أسقط فى يدى .. صلاح؟ بعد كل هذا الوقت .. وكل ما حدث .. تريد أخته الآن مقابلتى؟
- أنا جايه حاضر ، هى فين؟
- بره القاعه
خرجت وأنا أتلفت حولى كمن يهرب من جريمة ما أو يهم بارتكاب واحدة ، دقات قلبى متسارعة جدا وأكاد لا أشعر بأطرافى ولكننى ذهبت رغم كل شىء ..
- سامية ؟ ازييييييييييك
ارتمت بين ذراعى واحتضنتها طويلا .. سنوات مرت على لقاءنا الأخير .. كانت زميلة دراستى كما كانت يوما ما .. أخت زوجى ..
أغرقتها بالأسئلة وهى لا تجيب .. انهارت تماما عندما سألتها عن زوجة صلاح وأبناؤه ..
- أهم عايشين .. من ساعة ما مات والدنيا ملطشة معاهم خالص .. ومديحة مش عايزة حد مننا يقرب للعيال وبتتهمنا اننا احنا السبب فى موته عشان يعنى الأزمة جتله بعد خناقته معانا .. انتى وحشتينى اوى يا مايسة ..
ثم عادت للبكاء مرة أخرى .. ودون أن أدرى وجدتنى أبكى معها .. أبكيه رغم ما كان .. رغم زواجنا الذى لم يدم سوى عام واحد ورغم خلافاتنا .. رغم انفصالنا الذى حطم كبريائى كأنثى .. رغم زواجى الثانى الذى مر عليه ما يزيد عن العشرين عاما .. رغم جلوس شاكر غير بعيد يفصله عنى جدار والكثير من الموسيقى الصاخبة .. وجدتنى أتذكر فقط أيامنا الأولى .. حبنا وأيام الخطوبة .. فرحتنا عندما تمكنا أخير من الزواج رغم أنف الجميع .. و رغم أننى كنت أكبره بعامين ..
- كان بيحبك أوى يا مايسه .. وندم عليكى كتير .. عارفة ؟ انا الوحيدة اللى عارفة ان جاله الضغط من ساعة ما سمع خبر جوازك .. انا اللى قلتله أصلى .. الله يرحمه ...
صلاح .. الحب الأول .. ترى لو استمر زواجنا كيف كنا سنكون الآن ؟ تزوجت شاكر عن حب فيما أتذكر .. ولكننى أحببته بقلب مكسور .. وكان هناك صدعا فى علاقتنا وحدى أنا أراه وألمسه .. لم أستطيع التعافى منه كليا .. وكنت اتذكره حين أختلف مع شاكر .. وكثيرا ما ندمت على غبائى و عصبيتى .. وعنادى الذى أقحمنى فى هذه الحياة التى لا اعرفها .. وحين توفى وجدتنى أبكيه بحرقه ..
ولكن هذا كان منذ زمن .. فقد توقفت عن التفكير فيه بعد وفاته كأنه لم يكن .. لماذا الآن يا سامية ؟ لا لن أعود الى ندمى وحزنى ثانية .. وكأننى أفر من شىء ما قبلت سامية على عجل وفررت منها و من شبح صلاح الى الحمام حيث أصلحت من مظهرى وأخفيت آثار البكاء تماما .. وعدت الى القاعة حيث جلست أتابع من طاولتنا .. صغيرتى مى التى تلتهمها الأعين .. وأتأمل فستانها الوردى الذى تذكرت الآن فقط كم يشبه الفستان الذى ارتديته فى خطبتى الأولى .. متسائلة عما يحمله الغد لها ..

الأحد، 3 أكتوبر 2010

سكر نبات

أول ما لفت انتباهى إليها كانت الخصلات البيضاء التى غزت شعرها الغجرى بالرغم من صغر سنها البادى على ملامحها التى كانت تفتقر الى الجمال نوعا .. كانت بادية القلق والارتباك وكأنها زيارتها الأولى لطبيب الأسنان .. أعلم أن الكثيرين يجدون الأمر مفزعا ويبدو عليهم القلق و التوتر فتتسارع كلماتهم و يشحب لونهم بمجرد جلوسهم على المقعد الجلدى المتحرك ، ولكنها بدأت فى أعراض التوتر المعروفه بمجرد دخولها عبر باب الحجرة .
كانت فى أواخر العشرين على أقصى تقدير .. ترتدى الجينز الأزرق الفاتح مع الأبيض و الأسود ذى الأكمام الطويله .. سمراء نحيلة تضع العوينات و تتحدث بعصبية .. ولاتكف عن العبث بأصابعها الخالية من أى أثر للارتباط ، وقد كانت واضحة منذ البداية :
- أنا بخاف جدا من دكاترة السنان و لولا ان ضرسى مش مخلينى أنام مكنتش جيت أبدا، فلو سمحت بالراحة خالص.
هكذا تحدثت الى الطبيب الذى أعمل أنا كمساعدة له والذى ابتسم بهدوء و أومأ أن " حاضر متقلقيش"..
كانت متعاونة بالقدر الذى سمحت به هيستيريتها، ففتحت فمها واحتملت بالكاد ألم إبرة التخدير .. طلب منها الطبيب المغادرة لدقائق ريثما يبدأ مفعول المخدر فغادرت على الفور.. وضغط هو زر الجرس ليطلب المريض التالى ناظرا إليها بإشفاق- تلك المسكينه.
انتهى الآن مما يفعله وضغط الزر مرة أخرى لتدخل ، وعندما لم يدخل أحد طلب منى أن أتفقد ما يحدث بالخارج ، فقط لأفتح الباب وأجدها بصحبة مريضة أخرى تقبض الفتاة على ذراعها بإحكام .. حيت المريضة الأخرى الطبيب بحميمية تدل على معرفة شخصية ، وبادلها التحية بما يؤكد هذا قبل أن تقول باسمة :
- أنا لقيتها خايفة و عايزة تمشى قلت أدخل معاها وهى بتخلع لو مفيش مشكلة..
باسغراب أخبرتها ألا مشكله هناك فدخلت الاثنتان ، تمددت الفتاه العصبية على الكرسى دون أن تفلت ذراع مرافقتها التى تعرفت عليها منذ دقائق ، حين بدأت أنا فى إعداد ما سيحتاجه الأمر من أدوات.
- بالراحة لو سمحت .. بالراحة
قالتها بعصبيتها الزائدة فابتسم الطبيب مطمئنا أن " مش عايزك تقلقى خالص ان شاء الله مش هتحسى بحاجة ، ولو حسيتى قوليلى وأنا أديكى بنج تانى ."
كنا نعلم أن هيستيريتها ستزيد من سوء الأمور ، ولكن لابد مما ليس منه بد.
بالطبع لم تكن أسهل الحالات التى يمكنك التعامل معها ، ليس طبيا و إنما إنسانيا .. خصوصا عندما بدأت فى البكاء و الضغط على رأسها بيديها مرددة " صداااااااااااااع " .. حتى انها نجحت فى إرباكى انا شخصيا حين بدأت فى ضرب ذراع الكرسى بيدها مرددة "كفاية" .. كانت لحظات ثقيله بالفعل .
بمعجزة ما أنهى الرجل ما بدأه وأعطاها تعليمات ما بعد الخلع ، وانصرفت شاكرة ، وبقيت الأخرى تحكى كيف وجدت الفتاة فى قاعه الانتظار بالخارج تحكى على الملأ أنها متوترة جدا ، ثم تتطرق إلى حياتها الشخصية فتخبر الجميع دون سابق معرفة كيف تعانى من حالة نفسية وتقصد طبيب نفسى للعلاج ، وتعيش مع أخيها وزوجته التى تكرهها ، ولا تجد ما تفعله بلا زوج أو عمل ، والكثير مما لا يقال فى العادة فى قاعة انتظار طبيب .
- أنا لقيتها قاعدة تتكلم والناس بتتفرج عليها ويبصولها بصات مش قد كده فقعدت أتكلم معاها ووعدتها إنى أدخل معاها وهى بتخلع بشرط إنها متتكلمش عن نفسها كده تانى عالملأ .. انت عارف الناس بيبصوا للى بيتعالج نفسيا إزاى مع إن كلنا مرضى بدرجات متفاوته ..
قالتها المرأة وهى تتمدد بهدوء على الكرسى المتحرك
- مسكينه .. كان باين عليها من أول ما دخلت إن فيها حاجة غلط
قالها الطبيب بلا مبالاه ..
- الحمد لله إنها جت على قد كده
قالتها قبل أن يبدأ الطبيب فيما هو بصدده .. بدأت ألاحظها ..
كانت فى أواخر الثلاثينات متوسطة الجمال ولكن اهتمامها بمظهرها بادى على ملابسها وحذائها و غطاء رأسها الأنيق ، وزينتها الهادئة التى تدل على بساطة ورقى فى نفس الوقت .. كان يناديها باسم تدليل بما يوحى بمعرفة وثيقة وكانت تتحدث بعفوية تؤكد هذا.. زميلته فى عمله بالفتره الصباحية كما اتضح لى من حوارهما ، تكبره بما لا يقل عن عشر سنوات تسمح لهما بهذا المزاح اللطيف دون أن يشعر أيا منهما بالحرج .
انتهى منها وثرثرا قليلا .. أشركتنى هى فى الحديث بعد أن تعرفنا كما ينبغى .. اندمجت معهما تماما وتحدثنا كأصدقاء .. ودودة جدا هى و على قدر كبير من الثقة بنفسها..
- عايزة صور خطوبتك بأه بقالك قد ايه واعدنى تجيبهوملى؟
قالتها مداعبه حين ضرب هو جبهته بيده مشيرا الى نسيانه التام
- معلش والله بنسى .. هجيبهوملك بكره ان شاء الله
- أما نشوف .. على الله بس ألحق أشوفهم قبل الفرح
قالتها ضاحكة وهى تتوجه نحو الباب مغادرة .. فضحك ثلاثتنا وودعتنا منصرفة .. أغلقت أنا الباب والتفت إليه
- لطيفه أوى مدام هند .. حبيتها
اندهش وأجاب مسرعا :
- مدام ايه دى مش متجوزة .. إوعى تكونى غلطتى و قلتيلها يا مدام لحسن أنا عملتها مرة فى أول معرفتى بيها و لقيتها أحرجت جدا ..
- معقول؟
أومأ مؤكدا فى أسف .. بذهول رحت أحاول تذكر أى قيود ذهبية فى أصابعها فلم أستطيع .. سرحت قليلا أقارن فى ذهنى بينها وبين المريضه الهيستيرية التى رافقتها ، وأسترجع تحديدا صورة الفتاة و هى تقبض على ذراعها عندما دخلت للمرة الثانية .. ولسبب ما تذكرت أغنية بعينها لمحمد منير .. وخطر لى أننى إذا فتشت فى جيوب أيا من الفتاتين .. فسأجد الكثير من سكر النبات ...

الجمعة، 3 أبريل 2009

أعز الناس

على طول الحياة..نقابل ناس..ونعرف ناس
ربما قلت هذا كثيرا من قبل و كررته لدرجة الملل ..ولا أمانع تكراره للمرة الألف .. أكثر ما أحبه فى " شغلانه الدكترة دى " هو الفرصة الذهبية لمقابلة أناس جدد كل يوم..كل يوم تدفع بك الظروف فى حياة أحدهم..زميل جديد..مريض جديد..عابر سبيل..أيا كان.. ربما يجد البعض الأمر ليس ذى بال و لكننى أجده متعة حقيقية..أن تتعرف الى أشخاص جدد..تساعد البعض و يساعدك البعض الآخر..أو تكتفى بمتعة تبادل تحية الصباح مع شخص لا تعرفه فيبتسم و تبتسم و يمضى كل منكما الى حال سبيله..أو تخبر شخصا لا تعرفه أنه يبدو جميلا هذا الصباح فيبتسم أيا كان حجم ما يثقله من هموم..
و نرتاح ويا ناس عن ناس.. ويدور الزمن بينا..يغير لون ليالينا ..
و بين كل من تقابلهم يوميا .. هناك أشخاص يعرفون طريقهم الى قلبك..لا بهدف المرور كما تفعل الغالبية العظمى.. بل بهدف الاقامة الدائمة.. أشخاص يتركون بصمة واضحة فى روحك..أشخاص قد لا يسعفك العمر بامضاء الوقت الذى تتمنى أن تمضيه معهم فتجد نفسك تلقائيا تحاول الاستمتاع بكل ثانية يتواجدون فيها حولك.. و يساعدونك هم فى ذلك..يشاهدونك فى كل حالاتك و يشاركونك حزنك و فرحك ما استطاعوا اليك سبيلا..
و نتوه بين الزحام و الناس..و يمكن ننسى كل الناس
قديما قيل " تعاشر يا ابن آدم تعاشر..مسيرك يا ابن آدم مفارق " .. حتى من نحبهم ولا نرانا بدونهم يختفون مع الوقت..يسافرون..يتزوجون..أو فقط يبتعدون لأن عجلة الحياة دفعتهم بعيدا عن دربك..الأمر الذى اعتاد ان يكون محزنا و دراميا الى حد البكاء بالنسبة الى حتى فترة ليست بالبعيدة جدا..ثم بدأت بعدها أتأقلم و أكتفى فقط بالتلويح و الابتسام لكل من يغادر حياتى .. متمنية الحظ السعيد للجميع.. الطريف أننى وجدت أنهم يعودون للتواجد مرة أخرى..و بالرغم من أن سيد حجاب كان مبدعا حين قال " عمر الوشوش ما بتبقى بعد السنين..نفس الوشوش دى بتبقى شىء تانى" الا أن نشوة اللقاء غالبا ما تكون كفيلة بمحو شجن الاختلاف ..
ولا ننسى حبايبنا..أعز الناس .. حبايبنا..
أشخاص بعينهم مرسومون فى حياتك و لن يتغير هذا أبدا..أشخاص بعينهم لا يملك قلبك الا الخفقان لدى رؤيتهم الشىء الذى يلازمك أبدا كتعويذة ألقتها ساحرة فى احدى حكايا الجن..أشخاص بعينهم تحضرك صورهم عندما تسمع أغنية بعينها أو تمشى فى شارع بعينه أو تلتفت للسماء فى وقت بعينه..فتبتسم فى نفسك و تتساءل "يا ترى عاملين ايه؟"
سنين و سنين بتفوت ما نحس بوجودها ولا وجودنا..ولحظة حب عشناها تعيش العمر تسعدنا
و الحب عندى كمنظار ملون..ما ان تشعره حتى تجده يصبغ مشاعرك تجاه كل شىء..و كل الناس..حتى و ان انتهت علاقة بعينها كانت هى الجسر الذى عبر الحب الى حياتك من خلاله..يظل حبك للحياة و الأشياء نمط حياة.. تظل البهجة تلون روحك و تلون الأشياء من حولك..

" على طول..على طول الحياة..
نقابل ناس
و نعرف ناس
و نرتاح ويا ناس عن ناس
و يدور الزمن بينا..يغير لون ليالينا
ونتوه بين الزحام والناس
و يمكن ننسى كل الناس
ولا ننسى..حبايبنا
أعز الناس..حبايبنا..أعز الناس
سنين و سنين بتفوت ما نحس بوجودها ولا وجودنا
ولحظة حب عشناها تعيش العمر تسعدنا و تسعدنا"
الأغنية أعز الناس-عبد الحليم حافظ
التدوينة مهداة الى أشخاص بعينهم أسعدتنى الحياة بوجودهم حولى وهما عارفين نفسهم :)

السبت، 14 مارس 2009

أحلى الاوقات



السادسة صباحا-الميكروباص

القاهرة كما لم أرها من مدة تفرك اجفانها و ترتدى ببطء ثوب اليوم الجديد..قمر منتصف الشهر لم يزل ساطعا بعد بالرغم من أن أشعة الشروق الذهبية قد عرفت طريقها الى السماء..الشوارع خالية أو تكاد و الجو بارد نوعا..و أنا اعاند رغبة السائق و الجالس بجوارى و أفتح النافذة و أدع الهواء البارد يلمس وجهى و يضايق الجميع..لحظات من الهدوء شعرت معها اننى أفتح بابا معينا فى نفسى و أمنح اليوم فرصته الذهبية ليكون بالروعة التى اتمناها..

العاشرة صباحا-الشاطىء
حالة عامة من الجنون و الفوضى..ضحك يصل الى حد البكاء أحيانا..أحذية الفتيات أتلفها الماء المالح و الرمال تلتصق بأقدام الجميع..نوبة من العته تتمثل فى الاصرار على لعب الكراسى الموسيقية بحيث أطارد فتاة حول كرسى بلاستيك موضوع على الجزء الذى تبلله مياه البحر من الشاطىء حين تشغل أخرى أغنية " نعناع الجنينة" لمحمد منير كخلفية موسيقية.. تصفيق..ضحك..دعابات..ينتهى الامر بأن أقع على الرمال بعد أن دفع انتهاء الموسيقى الفتاه التى كنت اطاردها لأن تبعد الكرسى فى اللحظة الذى أقرر فيها الجلوس.. يتابع الجميع سقوطى ضاحكين و تلتقط "وغدة" ما صورة للحمقاء التى افترشت الرمال ضاحكة -أنا-

الحاديةعشرة صباحا-المنديل

تقرر البنات لعب المنديل لتصتف ثمانية فتيات على الرمال و الضحك من القلب هو أهم ما نشترك فى فعله..عند رقم بعينه أنطلق لالتقاط المنديل و اخذه و اعود جريا فقط لأسقط ثانية قرب مكانى و ينفجر الأوغاد ضاحكين..
- انتى جاية النهاردة عشان تقعى؟
يقولها أحدهم بالتهكم المناسب فأرد أنا بالاستعلاء المناسب لواحدة سقطت مرتين خلال ساعة و نصف و قد رفعت المنديل بانتصار :
- المهم انى أخدت المنديل
لينفجروا ضاحكين مرة أخرى..

الثانية عشرة الا ربع-البيكينى !!

أربع أو خمس فتيات يقطعن الشاطىء بالبيكينى و الكاش مايوه ليذبهل الجميع وترتسم نظرات عجيبة فى أعين الشباب..نتوقف عن اللعب و نقرر أن " نلحق رجالتنا قبل ما يضيعوا" و تقرر البنات أنه وقت صلاة الجمعه..و أن الشباب لن يبقوا على الشاطىء ولو لثانية فى وجود ذوات البيكينى..
- قوموا اتوضوا
-لسة شوية ع الصلاه
-هى كلمة واحدة..قوموا اتوضوا
ينصاعوا فى النهاية حانقين و يغادروا و قد التوت اعناقهم جميعا و نجلس نحن تحت الشمسية و ننفجر بضحك هيستيرى و تعليقات لاذعة على أثر البيكينى !!

الثالثة الا ربع-اللسان

الجسر الممتد الى قلب البحر كان المكان الأمثل لتأمل شمس العصر..جلسنا جميعا واضعين أقدامنا فى الماء حتى من يخشى البحر منا..القلب مفتوح على الأيام و البحر سعيد كما يقول درويش..دعابات حول رغبتنا فى القاء احدهم فى الماء ثم حالة هيستيرية من القاط الصور مصحوبة بالكثير من الضحك و النكات..لحظات خاطفة من الشرود ثم عودة سريعة للجو العام الذى يسيطر علينا منذ بداية اليوم.

الرابعة و النصف-البحر

فى البدالات الثلاثة التى استأجرناها لتمضية بعض الوقت فى البحر تتملك ركاب البدال الذى أركبه نوبة طرب مفاجئة لنشكل أجمل و أغرب جوقة ممكنة بدءا من "يا سلام سلم على رحلتنا بس يا رب نروح بيتنا" و حتى "وان لاقاكم حبيبى سلمولى عليه" و " يا عينى يا لا للى"..
اكتشف ان ساقى تؤلمنى و أنفاسى تتقطع تدريجيا و أن صحتى عموما لا تحتمل مقامرة قيادة البدال..الشىء الذى أتركه لسواى و أكتفى بالغناء و الضحك ووضع قدمى فى الماء..الشمس على البحر و من خلفنا الجبل منظر كافى لاغراق كل ما قد يضيق به صدرك..حالة من النشوة تجعل قلبك يتسع بحجم المحيط و ينبض بحب الحياة و الناس.. نوبة هيستيرية من رش الماء على ركاب البدالين الاخرين نتج عنها أن ابتلت ملابسى أكثر مما كانت لتفعل لو نزلت البحر بها مما أثار حنقى..
لانش الفتى صاحب البدال يأتى لاعادتنا بعد أن اكتشف محاولتنا اللئيمة فى "الاستعباط" و امضاء وقت أطول فى الماء..

الخامسة عصرا-الشالية

اقدام كثيرة حافية ملوثة بالرمال و الجينز المبتل بالماء المالح و احساس عام بالبلل و الفوضى و الكثير من حقائب اليد و الظهر مفتوحة لتتبعثر منها الملابس و أدوات الماكياج..المشهد بالطبع من شاليه البنات حيث نبدل ملابسنا استعدادا لرحلة العودة و حيث اكتشفت أن حماقتى انستنى ان احضر ملابس اخرى ليتحتم على العودة فى ملابسى المبتلة..فى انتظار دورى فى دخول الحمام أجلس على السرير اتابع ما يجرى مع ما يناسب الوضع من التهكم و التريقة..حركة غير طبيعية تدب فى المكان و الكل يجرى فى كل اتجاه
- حد معاه ماسكارا؟
- شنطتى فين؟
- الموبايل بيرن..كانسلى انا مش فاضية
- ايشاربى كان هنا محدش شافه؟
-هو مين اللى فى الحمام؟
- خلصى يا بنتى مش طايقة المية المالحة على جسمى ...الخ
فجأة يبدأ الجميع فى الغناء : "بايام البرد..و ايام الشتى..والرصبف بحيرة..والشارع غريق..تجى هاك البنت..من بيتا العتيق..ويقلا انطرينى و تنطر عالطريق..و يروح و ينساها و تدبل بالشتى.." و الى الآن لا ادرى سر جمال أصواتنا فى تلك اللحظات..ولا سر الحماس الذى تملك الجميع بالرغم من أن الارهاق كان يقتلنا .. فانطلقنا نغنى بكل ما فينا من حياة اغانى الرائعة فيروز..عشرة فتيات تقريبا يغنين من القلب و يضحكن من القلب.. مرحلة جديدة تبدأ مع "سألتك حبيبى" ..أشرد قليلا مع " لوين رايحين" و " من مين خايفين" دون ان اتوقف عن الغناء ثم يعاودنى المرح عند "خلينا خلينا و تسبقنا السنين"..يستعجلنا الشباب الذين انتهوا من تبديل ملابسهم فى دقائق بينما أمضينا نحن قرابة الساعة فى الشاليه.

السابعة مساءا-الحافلة

ظلام زاده أن اطفأ السائق الاضاءة النيون المعتادة و استبدلها بمصابيح خافتة ذات ضوء حالم فوق كل كرسى..صوت أم كلثوم الذى ما كنت لأختاره أبدا- لأننى كما تعلم لا أحب أم كلثوم- ولكنه يضيف للصحراء ليلا سحرا لن تفهمه الا اذا عشته..لحظات من الوحدة التى تفتقد فيها ان يجلس شخصا ما بجوارك تسترجعان أحداث اليوم معا ثم ينظر كلاكما الى السماء ممتنا ان منحته الآخر..أغمضت عينى و تظاهرت بالنوم .. و استرجعت مع نفسى أحداث اليوم..ثم نظرت الى السماء ممتنة اننى أنا..و أن يوما مثل هذا كان كافيا لغسلى من الاعماق..
القاهرة تلوح من بعيد و أضواء المنازل فى الأفق تلمع كابتسامة طفل دغدغه غريب فابتسم رغم خوفه...والركاب بين نائم و متحدث فى الهاتف يخبر ذويه عن موعد الوصول..الارهاق و البرد يغلب على الجميع .. نصل العباسية فى النهاية لنتودع جميعا و يمضى كل منا الى حال سبيله..

"أكيد مش محتاجة أقول ان دى كانت رحلة مع الكلية للعين السخنة :) "

السبت، 7 مارس 2009

هذيان وحسب

كانت البداية - شأن كل البدايات - جيدة..فالبدايات دوما جيدة و الا ما استمر الامر..
و كانت النهاية – شأن كل النهايات – مؤسفة..فلو لم يكن الامر مؤسفا لما انتهى اصلا..
ثم كانت الفترة التى لم يعرف ايهما من هو أو من كان الاخر و كيف اصبح الجميع..هل كنت كذلك منذ البداية أم اننى اصبحت كذلك بعد ما حدث؟ هل انا المخطىء ام الاخر؟ الى اخر تلك الاسئلة العبثية التى لا تفضى الى شىء اللهم الا المزيد من الالم..
و كانت بداية جديدة غامضة نوعا.. و كل ما هو غامض يغرى بالاقتحام..
ثم ازدادت الامور غموضا – على غير المتوقع - فلم تعد تغرى بالمتابعة

ثم ارهق الجميع بحثا عن اجابات لأسئلة لا يدرى احد الى الان من طرحها و لم طرحت ..
ثم كانت نهاية اخرى و كل النهايات مؤسفة فلو لم يكن الامر مؤسفا لما انتهى
ثم كانت فترة يحاول فيها الجميع تلافى البدايات الجديدة
ثم..كانت بداية جديدة ..
مختلفة .. ففى داخل كل منا ملول يبحث عن الاختلاف .. ولو كان الامر مشابها لأيا من البدايات السابقة لما تابعنا..
ثم تعقدت الأمور بطريقة أو بأخرى – ودائما ما تتعقد الأمور بطريقة أو بأخرى-
ثم تباعد المقربون .. ثم تقاربوا فتباعدوا أكثر .. فافترقوا..
وكانت نهاية مؤسفة..وكل النهايات مؤسفة.. فلو لم يكن الأمر مؤسفا لما انتهى..
ثم كانت فترة يفكر فيها الجميع فى اسباب تتالى النهايات المؤسفة
ثم كانت بداية و حسب..
ليس فيها ما يغرى بالمتابعة و لا تختلف الا فى انها تتشابه مع جميع البدايات السابقة فى نفس الوقت..
ثم بدأت الأسئلة فى الطفو فتجاهلها الجميع
فألحت
فاستمر الجميع فى تجاهلها
فانصرفت و تركتهم دون نهاية.. يعيشون البداية الجديدة ..

الاثنين، 2 مارس 2009

اخر الخط

فى منتصف الطريق الذى يقطعه السائق العجوز- سائق الحافلة الخضراء الصغيرة – جيئة وذهابا منذ تسلم ورديته لا ندرى منذ متى ولا يذكر هو .. نوعية الركاب لا تتغير تقريبا .. هناك دوما عجوز شمطاء تسرف فى مساحيق التجميل و ترمق الاخرين فى شك و تعال لا مبرر له .. و سيدة اربعينية على اغلب الظن موظفة ترتدى الحجاب والعوينات و تقرأ أذكار من كتيب ما .. ثلاثة من شباب الجامعه يضع اثنان منهما سماعه mp3 أو شىء من هذا القبيل بينما يشغل الثالث اغنية ما لهذا ال"تامر" أو ذاك على هاتفه المحمول.. هناك ثلاثينى عصبى لا يكف عن اجراء المكالمات أو تلقيها .. هناك فتاه جامعية لا تكف عن تعديل تسريحة شعرها و اخرى محجبة من سن مماثل تنظر الى كفيها او الى النافذة .. لابد طبعا من عجوز ثرثار لا يكف عن اعطاء التعليمات كأنه احد جنرالات الجيش و كأن انتقال النقود من الركاب الى السائق و انتقال التذاكر من السائق الى الركاب يحتاج خطة حربية محكمة.. و هناك اخرين لا معنى لهم يصعدون و ينزلون و الحافلة تسير..

- هل لاحظت يوما فى حافلة غير مزدحمة كيف يصر الناس على ان يجلس كل منهم بمفرده على كرسيين متجاورين حتى يضطرهم الزحام الى التقارب؟ ليس هذا شأننا بأية حال فحافلتنا ليست بالفارغة -
اغانى الشاب الجامعى ينافسها صوت عبد الباسط عبد الصمد من المذياع الذى يفتحه السائق على اذاعة القران الكريم بالرغم من عدم استماعه هو شخصيا – ناهيك عن استماع الركاب – اليه .. يصعد خمسينى اسمر و يمد يده للسائق بالنقود ليبادره الأخير بدعابته المعتاده " كام واحد؟" و لكن الرجل فيما يبدو ليس فى أفضل حالاته المزاجية ليتقبل دعابات سائق حافلة فيرد بحدة " شايفنى قدامك كام واحد؟" ليصمت السائق تماما و يناوله تذكرته صامتا و يأخذها الرجل صامتا و يقف لعدم توفر اماكن شاغرة.. حين يصعد مراهقان لا يكفان عن "التسبيل" لأحدهما الاخر .. و الحافلة بعد تسير.
يصعد عجوز فى اشارة ما مستأذنا السائق ان يدعه فقط حتى المحطة القادمة – دون اجرة بالطبع- ليرد السائق الذى زالت عنه روح الدعابة :" التذكرة اتنين جنيه..ممعكش انزل" فيكرر الرجل طلبه فى رجاء و يدعو للرجل بأشياء لا يعنيها ليكرر السائق رده فى حدة اكثر .. فيهم بالنزول حين تخرج فتاه ثمن التذكرة من حقيبة يدها و تقبض على معصم الرجل الذى هم بالنزول "خليك يا والدى" فقط ليدفع يدها بقسوة و يتمتم بأشياء لم تتبينها و يغادر..
صمت سخيف منذ نزل العجوز زاده أن نزل الشاب الذى يصر على مشاركة ذوقه الموسيقى المتردى مع الجميع قهرا .. بالاقتراب من نهاية الخط يأخذ الامر طابع لعبة الكراسى الموسيقية .. ينزل احدهم فى كل محطة و يعيد الباقون ترتيب أنفسهم على الكراسى الباقية.. الوجوه تزداد وجوما وكذلك العصبية فى صوت الثلاثينى اياه.. العاشقان مستمران فى التسبيل .. أو لعلهما اخرين؟ لا ندرى حقا فالوجوه تتشابه كما تتشابه افعال اصحابها..يتململ الجميع باقتراب المحطة الاخيرة و يتعالى صوت السائق لينبه الشاردين " ياللا اخر الخط"

حبيبتى الصغيرة السمراء

حبيبتى الصغيرة السمراء الفاتنه.. قصيرة القامة هى دقيقة الملامح ..واسعة العينين صافيتهما بحيث يمكنك ان ترى قلبها اذا اطلت النظر الى عينيها فهل قابلت ابدا من ترى قلبه من عينيه؟ هى كذلك .. حبيبتى الصغيرة السمراء التى احمل اسمها والكثير من ملامحها و القليل من طباعها فأنا دونها فى كل شىء .. فى حماسها و طاقتها .. فى قدرتها على تحمل المسئوليه و تحمل الآخرين و لكم حاولت التعلم منها فيما يخص تلك الاخيرة..حبيبتى الصغيرة السمراء تجاوزت الخمسين عاما منذ ما يزيد عن اربع سنوات و مع ذلك تبدو لمن لا يعرفها اصغر بعشر سنوات على الاقل من سنها الحقيقى (الله اكبر يعنى) ... واحدة من معجزاتها الصغيرة هى .. شبابها الذى احمد الله عليه اكثر مما احمده على شبابى انا ..على الاقل تستفيد هى من شبابها وكذا يستفيد الجميع على العكس منى ..حبيبتى الصغيرة السمراء التى مرت علاقتى معها بالكثير من المراحل احتملتنى فيها كثيرا و ضاقت بى احيانا و لم تكف عن حبى ولو للحظة .. الشىء الذى ما كنت لأفعله لو اذاقنى احدهم واحد على الالف مما اذقتها اياه .. و هى معجزة اخرى من معجزاتها الصغيرة.. لتتطور علاقتى بها من الحب الذى لم افهمه الى الكراهية لم اعلم مصدرها الى توتر غريب تلته فتره من الهدوء الذى يسبق العاصفة .. و العاصفة هنا ممثلة فى حب .. الكثير منه ايضا.. ذلك الذى يجمع بين العشق و الاعجاب و الارتباط بشخص ما بحيث يصير وجوده من الثوابت التى ترفض و بشده احتمال تغيرها .. بالنسبه الى ستظل دوما كما هى .. المرأة التى كفت عن كونها امى لتصير اختى الصغيرة و الكبيرة و صديقتى المقربة و ابنتى البكر و حبييتى الصغيرة السمراء .. و تظل دوما هى التعويض الامثل عن الكثير من اهانات الأقدار ..انا أحبها ليس انها أمى .. فقد تجاوزت علاقتنا الاطار - الضيق - الذى تدور فيه علاقة ام و ابنتها الى افاق اخرى من الحب لا يدركها سوانا .. ولكن احبها لكونها هى .. لكونها أنا .. لكوننا معا شيئا يستحيل على غيرنا فهمه .. بحسب ما اعلمه عنها فهى لن تقرأ هذه الكلمات ما حيت .. و ربما لن تعلم حقيقة ما اشعره نظرا لعجز شخصى فى التعبير عن مشاعرى نحوها..اعلم تماما اننى كثيرا ما اخيب املها و املها على كبير .. كثيرا ما تتوقع الكثير فلا تجد الا القليل و عندما تتوقع القليل لا تجد شيئا..اعلم انها كثيرا ما تقع فريسة لللا مبالاه التى اصبحت جزءا منى .. اعلم اننى كثيرا ما اتحول الى كارثة على قدمين .. ولكن ما اعلمه ايضا اننى وعلى الرغم من كل شىء احبها حبا لن استطيع شرحه و لن تستوعبه هى مهما حاولنا ..
حبيبتى الصغيرة السمراء و كما أقول دائما .. شكرا لحبك فهو مروحة و طاووس و نعناع و ماء .. وغمامة وردية مرت مصادفة بخط الاستواء ..

الاثنين، 26 يناير 2009

كنكهة القرفة

"انا لا احب مذاق القرفة .. لكن ما اجده فى نكهة القرفة المنبعثة من واجهة ذلك المقهى كاف لكى ادرجها فى قائمة ما كان قليله مسكر .. هكذا كان هو و هكذا قدر لعلاقتنا ان تكون .. ان تتبع ما كان قليله مسكر و كثيره عذاب "


منذ اللحظة الاولى شعرت بأن اليوم مختلف..جميل ربما..دافىء بعض الشىء..استيقظت وحدى دون مضايقات قبل موعدى ب 4 ساعات تقريبا.. ظللت اتقلب فى فراشى لقرابة الساعة و ذكرى معينة بادلتنى تحية الصباح فاحتضنتها.. جرى اليوم كيفما اتفق من افطار و ملابس و موسيقى .. مارسيل خليفة كبداية نمطية ليوم يفوح بالاختلاف.. لا مانع من صوت فيروز كخلفية لتغيير الملابس .. بعدك على بالى؟ ليست على الهاتف للأسف .. اغنية تلو الاخرى .. اجد ل"كيفك انت" رنين مختلف استمتع به فاسمعها للمرة الثانية مع ما يناسبها من الحنين ..
فى الشارع و الهواية المفضلة فى تأمل الطريق .. المارة يبدون اجمل و اصغر .. يضعون العطور و يبسمون و( خافقى يقول و نحن سوف نبتسم) .. حتى بائع الفول بدا مختلفا .. ربما اختفت تجعيدتان من حول فمه فبدت ابتسامته المعتاده اكثر الفة فبادلته اياها و مضيت ..
عند البوابة انظر الى مكان بعينه فيثير حنينا خافتا و شعورا مبهما بأننى سألقاه اليوم .. تابعت فى طريقى فقط لأصادف صديقة قديمة .. بعد الكثير من " فينك يا ندلة واحشاااااانى " قررت ان امضى معها ما تبقى من الوقت حتى يحين موعدى .. هل اسألها عنه؟ لا داعى ..
اتجهنا الى حيث تجلس هى فى العادة عند كليتها .. كنا نهم باجتياز بوابة اخرى حين هتفت هى باسمه .. هل قرأت افكارى؟ لم استوعب للحظة انه امامنا مباشرة .. نظرت اليه و ابتسمت فابتسم .. بالطبع كان فى طريقه الى مكان ما فالغى موعده فى الحال كما تلاشت فكرة موعدى فى ذات اللحظة .. " دايما مجمعاكو انا "هذه كانت من الفتاه و كانت محقة تماما .. الم تجمعنا هى منذ البداية ؟ اخبرته اننى كنت اعلم اننى سأراه اليوم و اننى سمعت كيفك انت مرتين .. ضحك كثيرا .. و ضحكت .
لم تطل البقاء و استأذنت و انصرفت و مضينا الى حيث يمكننا الجلوس .. كلما صادفنا احدا المح السؤال السرمدى فى عينيهم " انتو رجعتوا؟ " لكن احدا لا يسأل كما اتظاهر انا بالغباء و انظر اليه فيفهمنى كما اعتاد و ينهى الحديث و نغادر .. بمفردنا جلسنا لفتره متجاهلين حقيقة انفصالنا الذى مضى عليه قرابة التسعة اشهر .. و متجاهلين خلو وضعنا من القدر الادنى من المنطق ولكننا كنا سعيدين و كفى ..
كان حديثه حلوا كشأنه دائما .. يخبرنى انى تحفته و اساوى الاف النجمات .. اخبره اننى لم املك فى الدنيا الا عينيه و احزانى .. و اننى لا امانع حنينى اليه من آن لآخر .. يعتذر عن حماقات الماضى و اخبره اننى لا اتذكر الا كونى سعيدة و كونه كذلك .. و الحماقات التى يصر تذكرها قد محت بالفعل .. نصمت .. نتذكر لقاءنا الاول و الثانى .. نضحك .. ندمع .. ندندن لحنا حزينا لفيروز ثم نعاود الصمت .. اتذكر بفخر كونى نافذته على اغانى فيروز ..
نتودع فى نهاية اليوم .. بلا موعد ولا جديد ..
- " الصدفة الجاية عايزة اشوفك احسن " قلتها انا
-" خدى بالك من نفسك اوى اوى " قالها هو
ذهبت فى طريقى و انا على يقين من ان نظراته تتابعنى حتى البيت .. لم اتلفت و ألوح كى لا يأخذ الامر طابع افلام الستينات .. يكفينى منه ما اصبته اليوم .. تكفينى الصدفة .. و السعادة الوقتيه .. كنكهة القرفة.
الموعد الاول محمود درويش
كلمات نزار قبانى
نهر الاحزان نزار قبانى