الأحد، 10 أكتوبر 2010

الجزء الثانى - مهاترات

- أنا سبت البيت
سقط فكه فصار منظره مضحكا الى حد ما فتابعت
- ومن غير أى أفلام عربى من أى نوع ، عشان أنا خدت أوفر دوز أفلام عربى النهارده .. ويا ريت متحاولش تلعب دور نور الشريف فى حبيبى دائما وتضربنى بالقلم وتاخدنى ترجعنى البيت عشان احنا الاتنين عارفين الحقيقة المرة - أنا مش بوسى .
كان قد تمالك نفسه نوعا فنظر الى لحظات قبل أن ينفجر :
- ايه الهبل اللى انتى فيه ده؟ انتى هبله يا بنتى انتى؟ ايه التفكير الطفولى ده ؟ قومى يا شاطرة خدى شنطتك وعلى بيت أبوكى ولما تروحى ..
قاطعته بصرامة :
- أحمد .. بلاش الطريقة اللى بتتكلم بيها دى لو سمحت .. أنا كلمتك عشان أقولك إن ده الوضع الجديد ، أنا دلوقتى واحده سايبة بيت أهلى ، عندك استعداد تكمل معايا أهلا وسهلا ، معندكش أنا هقدر ده و سيبنى فى حالى من غير ما تحاول تلعب دور الواعظ عشان أنا خدت قرارى خلاص .
صمت .. أطرق لحظات ثم قال برفق :
- ايه اللى حصل طيب؟
كنت على وشك اخباره حين قاطعنا النادل فقال هو باقتضاب :
- اتنين برتقان فريش لو سمحت
- حاجه تانيه يا فن...
- شكرا
إلتفت إلى فى انتظار ما سأقوله .. وتطلب الأمر لحظات لأستجمع ما حدث .. أخبرته فى انفعال عن الخلاف الحاد الذى نشب فى المنزل منذ قليل بسبب رغبتى فى الاستقلال بعملى وممانعة السيد الوالد فى هذا لأبقى تحت سيطرته المادية ، ثم تطرقه -الوالد - دون داعِ لرغبتى فى الزواج من أحمد والتى يعارضها بالطبع ..
- قاللى ده بيتى عاجبك تعيشى معايا كده عاجبك مش عاجبك امشى .. فلميت حاجتى ومشيت .
بدا مصدوما الى الحد الذى أشفقت معه عليه ، هذه هى مشكلة الأطفال المستقرين عائليا .. يظنون ان هذه الأشياء تحدث فى الأفلام فقط .. مسكين ..
- يعنى هو اللى طردك من البيت
- متقولش طردك ، هو إدانى الإختيار وأنا اخترت .
ظل واجما حتى جاء النادل بالبرتقال ، ووضعه امامنا وانصرف . ظللت أتأمله بإشفاق .. لا ذنب له فى هذه المأساه الإغريقية إلا أنه أحبنى .. أمسكت يديه بقوة :
- اسمعنى يا أحمد ، هو اليوم باين من أوله أفلام عربى بلا توقف .. لو شايف إن الوضع كده مش مناسب ليك أنا هفهم ده ، انت ..
قاطعنى ساخرا :
- كفاية جو السبعينات ده إيه الخمسة جنيه المقطعه اللى مطلعاها دى ؟ خلاص يا أمى اتدبست واتنيلت و حبيتك واللى كان كان ..
من صفاء ضحكته تأكدت مما علمته مسبقا .. سيكون إلى جوارى كما كان دوما .. ضحكت مضيفة :
- من فضلك حاسب على ألفاظك .. ايه اتدبست دى ؟
ضحك وهمس :
- بحبك يا بنت المجانين ..
- بحبك أكتر يا سيد العاقلين ..


أطرقنا للحظات نحتسى العصير على مهل .. عيناه لا تفارقان الهاند باج السخيفة الملقاه على الأرض بجوارى .. ثم سأل ضاحكا :

- والقطة جايبة معاها ايه؟
- القطة جايبة معاها حاجاتها الضرورية .. هدوم خروج ، هدوم بيت ، فرشه سنان وحاجات شخصية ، كتبى وبس .. مخدتش منه ولا مليم مش عايزة منه حاجه أصلا .


- يعنى معكيش فلوس
- لأ

- أمال أنا ازاى هستغلك وأضحك عليكى واسرقك وأرميكى للكلاب؟
- مش عارفه .. اتصرف
قلتها ضاحكة .. كان بارعا فى تخفيف حدة الموقف ، وكنت بارعة فى التظاهر بالهدوء .

- خلاص يبقى نتجوز
قالها بجدية مفاجئة جعلت التهكم الذى كنت أنويه يبدو غير لائق بالمرة , فعزفت عنه وقلت بجدية مماثله :

- مش دلوقت و مش بالطريقة دى , مش عايزة يتقال هربت عشان تتجوزه لأن ده مش حقيقى و هيشيلك انت و أهلك فى نظر الناس ذنب معملتوهوش .. يبقى ليه؟ دا غير ان أهلك كمان مش هتعجبهم الطريقة دى

- ملكيش دعوة انا هعرف أزنجفهم ..

- زى ما قلتلك مش ده الحل , دايما كنت بتقوللى الجواز عشان يستمر صح يبقى لازم يبدأ صح , و ولا انا ولا انت مستعدين نتجوز دلوقت .. أنا محتاجه أعرف أنا فين و محتاجه أرض صلبة أقف عليها

- طب ما ده اللى انا بحكى فيه .. نتجوز و يبقى جوازنا أرض صلبة تقفى عليها

- مش بالطريقة دى .. ادينى فرصة أرسى الأول .. أشتغل وألاقى حته أعيش فيها مستقلة و بعدين منها نبدأ نجهز بيتنا وجوازنا .. مش قبل كده , كفاية انك مش هتاخدنى من بيت أهلى , مش هينفع يتقال طلعوا من الكافيه راحوا اتجوزوا يعنى

ابتسم . على مضض سيتقبل الفكرة التى عرضتها عليه لأن بدائلها معدمة , فأنا مصرة على ألا يعتقد أيا كان أننى هربت معه و اخترت تعاستى - هذا إذا ساءت الأمور فيما بعد وهو احتمال لا يجب تجاهله .. أحب أن تبقى الأمور فى نصابها فأنا لم أهرب وإنما غادرت , وهو لم يتزوجنى من كافيه وإنما كان لى قبله حياه مستقله .

- طب والعمل دلوقتى يا ست البنات ؟ هتقعدى فين يا ست المستقله؟

- ابتديت تفهمنى

الجزء الأول - كنارى

طالما كانت علاقتى بطيور الزينة معقدة ، فبين الرغبة الملحة فى اقتنائها و التساؤل الأزلى عن حقيقة موقفها من الأقفاص التى تعيش فيها انتهى أمر سبعة أزواج من الكنارى بطريقة متشابهه ، يطير أحد العصفورين من القفص - الشىء الذى يعتبره الآخرون إهمالا منى ، بينما لا يعلم حقيقه أنه إطلاق سراح غير مشروط غير العصفور وأنا - ليتوجب على بعد هذا اطلاق سراح الآخر أو إعادته إلى حيث اشتريته .
لكن ما كان يشغل بالى حقا هو شعور الطائر نفسه بعد إطلاق سراحه .. فجميعها تتصرف بطريقة مشابهة .. تحلق على علو منخفض ولمسافة صغيرة لتستقر على أقرب نافذة للشرفة التى هربت منها ، وكأنما تختبر أجنحتها ، ثم تتنقل تدريجيا الى شرفات أبعد وارتفاع أعلى حتى تغيب عن عينى تماما .
كانت أمى دوما تصفنى بالجنون ، قاصدة تلك الرغبة المستمرة فى الهروب والتى تتملكنى من آن لآخر .. كثيرا ما كانت تتذكر ضاحكة يوم جمعت بعضا من ملابسى فى حقيبتى المدرسية قاصدة الهروب من البيت مما اضطرها الى إغلاق باب البيت بالمفتاح وإبقاؤه فى صدرها طوال الليل لتمنعنى من تنفيذ مؤامرتى الصغيرة التى لم أكترث كثيرا بانكشافها .
الوقت يمر ببطء شديد جدا .. لم تكن الساعة تجاوزت السابعة بعد حين ارتفع أذان العشاء .. تبا للتوقيت الشتوى الذى ينهى اليوم قبل أن يبدأ .. بل تبا للنزعة المصرية التى توحى بانتهاء اليوم مع أذان العشاء . بالكاد مرت عشرون دقيقة على نهاية اتصالى بأحمد الذى انتظرته بموجبه أمام الكافيه الذى احتفلنا فيه بعيد ميلادى الماضى .. نحب هذا المكان حقا .. قررت التراجع عن قرار انتظاره بالخارج حين تجاوزت سخافة تعليقات المارة الحد الذى يمكننى تحمله فمضيت الى الداخل ..
قابلنى النادل الذى نعرفة بابتسامة ود وسؤال ما عن أحوالى فأجبته دون وعى " مستنية حد لما يجى هنطلب سوا " فانصرف مغمغما بشىء لم أتبينه ، وتركنى أسترجع مشاهد الفيلم العربى الذى كنت بطلته منذ قليل ، وأتخيل الفيلم الآخر الذى سألعب بطولته بعد لحظات .. " ايه بس اللى أخرك يا أحمد؟ " قلتها وأنا أنظر فى ساعة يدى لأصعق بأنه لم تمر سوى خمس دقائق .. اللعنه.
كنت مشوشة للغاية .. تتضارب فى رأسى ألف ألف فكرة عما سيحدث الآن ، بالرغم من أننى كنت أتوقع ما حدث منذ زمن وأخطط له كاحتمال وارد .. إلا أن خططى اللولبية تلاشت تماما الآن " متوترة ليه مش ده اللى كنتى عايزاه؟ " قلتها لنفسى أيضا فلم ترد .
الموسيقى اللاتينية التى تتردد فى المكان زادت من توترى نوعا بالرغم من أننى فى العادة أحبها ، ولكن اليوم أبعد ما يكون عن العادى من نواح عدة .. هاهو أحمد أخيرا يبدو بالضبط كما توقعت .. جزعا متوترا متحفزا بعد مكالمتى الأخيرة التى لم أخبره فيها بالطبع عن طبيعة المشكلة .. يبدو مناسبا تماما للدور الذى سيلعبه بعد قليل .
- فى إيه إنتى كويسه ؟ حد من اهلك جراله حاجه ؟
- دانتا نبيه جدا .. يعنى أهلى هيجرالهم حاجة وأنا هقعد معاك فى كافيه؟
- بطلى تريقة وقولى فى إيه وقعتى قلبى ..
أخذت نفسا عميقا ودارت فى ذهنى جميع الأفلام العربى التى تحدثت عن الموضوع دفعه واحدة قبل أن أقول ببساطة :
- أنا سبت البيت .

السبت، 9 أكتوبر 2010

مع الوقت



صوت نورا جونز الرقيق يحلق فى جو الغرفة ذات الاضاءة الخافته المستمدة فقط من الشمعات الست الضخمة التى وزعت فى جوانب الغرفة وعلى المنضدة الصغيرة التى تتوسطها متماشية تماما مع نسمات بداية الخريف الرقيقة التى تداعب ستائر الغرفة المنسدله بحميمية تكاد تتبع وقع خطواتهما الراقصة بهدوء شديد وذراعه يحيط بخصرها برقة شديدة جدا .. يكاد معها يمسها بأطراف أصابعه فقط حين وضعت هى رأسها على كتفه فى استسلام مغمضة عينيها هامسة فى أذنه ببعض كلمات الأغنية التى جاء صوتها فى أذنه أرق بكثير من صوت المغنية الحالم..

Come away where they can't tempt us with their lies..

هكذا همست فابتسم ابتسامة لم ترها و إن أحستها من زفرته التى داعبت شعرها المنسدل على عنقها هادئا ككل شىء فى أمسيتهما ..
دقائق مرت لم يعنيا بحسابها مستغرقين تماما فى أحدهما الآخر حين عادت هى تهمس فى أذنه برقة

Come away and I'll never stop loving you

ضمها اليه أكثر واقترب من أذنها ليهمس بدوره " ولا أنا هبطل أحبك .. أبدا "
رفعت رأسها من فوق كتفه للمرة الأولى ناظرة فى عينيه مباشرة متأملة كيف يبدو انعكاسها فى عينيه جميلا كما يبدو كل شىء .. ابتسمت .. تذكرت كيف كانت تردد له أنها يوما ما ستهرب من كل شىء لتختبىء فى عينيه .. وكيف كان يجيبها بأنه لن يفتحهما اذن أبدا كى لا يراها سواه . . انتقلت بنظراتها الى شفتيه المنفرجتين عن ابتسامة رضا قبل أن تطبع عليهما قبلة طويلة .. ثم أعادت رأسها الى كتفه بذات الهدوء ..
سكتت الموسيقى للحظة ثم بدأ صوتها يرد مع الأغنيه الجديدة بإغراء حالم

Bésame, bésame mucho Como si fuera esta noche La última vez

اعتبرها هو دعوة مستترة فلباها مسرعا .. مقبلا شفتيها بارتباك المرة الأولى .. بشغف المرة الأخيرة .... بحرارة لقاء تأخر .. بعذوبة ما يشعره كلاهما بين ذراعى الآخر من أمان .. تسارعت قبلاته حتى خالفت ايقاع الأمسية الحالم فأمسكت رأسه بكلتا يديها وأبعدتها عن وجهها مسافة سمحت لأنفاسها أن تصل شفتيه بعد .. وابتسمت قبل أن تقول من بين قبلاتها التى تتبع ايقاع الأغنية الهادىء :
- بهدوء .. ببطء .. مع المزيكا ..
ثم عاودت تقبيله فى صمت بعد أن استسلم لها تماما ..
فى ركن الحجرة استقرت طاولة مستديرة تحت مفرش مخملى رقيق اعتلتها بعض أطباق الطعام .. وتوسطها شمعدان بثلاث شمعات وردية متباينه الطول .. توجها إليها حالما انتهت الأغنية الحالية لتبدأ أغنية جديدة .. أمسكت بيده تتلمس فى نبضاتها أضطرابا يتماشى مع رعشات عود الثلاثى جبران .. حتى اذا وصلا بخطواتهما المتباطئة كأنما فى موكب ما أجلسها على الكرسى المقابل له وجلس أمامها .. بدءا فى تناول طعامهما بالطريقة التى يفضلها .. فقطع طعامه قطعا مناسبة ووضعها على شفتيها فقط ليلتقطه هو من بينهما برفق .. وكررت هى معه ما فعله هو فظلا يأكلان زمنا ..
انتهيا من الطعام .. فقبل يديها و نهض ليغسل يديه فالتمعت عيناها ببريق من أعد مفاجأة وقالت :
- لحظه واحده خليك مكانك ..
همت بالمغادرة فأمسك بكفها مقطبا ، هامسا : متمشيش
أجابت باشفاق باسم : مش هتأخر ..
انسلت من كفه وغادرت للحظات وعادت بابريق زجاجى مزخرف برسوم رائعه .. ووعاء زجاجى عميق واسع مزخرف بذات الرسوم .. اشترياهما معا يوما .. وقد استقرت منشفه زاهية الألوان على كتفها ..
امتلأ الإبريق بماء يفوح منه عطر حالم .. حين استقر قالب من الصابون فى قاع الوعاء .. ساعدها فى وضع الوعاء على الطاولة والتمعت عيناه بفرح طفولى مادا يديه إليها لتغسلهما إصبعا إصبعا وعلى شفتيها ابتسامة رضا نجحت تماما فى اخفاء ما تشعر به من آلآم ظهرها التى تعاودها كلما أطالت الإنحاء .. وشعر هو بها دون أن تبدى شيئا فانتهى من يديه سريعا وجفف يديه وأبعد الابريق والوعاء وحملها بذراعيه اللذان مازال بهما – رغم كل شىء – قوة تسمح بحملها .. ووضعها على الفراش برفق مقبلا جبينها هامسا : تسلم ايديكى يا حبيبتى..
استقر بجوارها ضاما إياها اليه ممررا يديه بين خصلات شعرها البيضاء والتى اتفقا على تركها على حالها دون خضاب أو أصباغ .. متذكرا – على قدر ما أسعفته الذاكرة – سنواتهما التى يحتفلا اليوم بإتمامها ثلاثين .. مستشعرا أنفاسها الرقيقة على صدره حيث يختبىء رأسها .. حين رفعت إليه عينيها ببطء وهمست بخجل :
- عايزة أعترفلك بحاجة
ضمها إليه مبتسما قائلا بثقة : عارف .. مش انتى اللى طبختى
أجابت بخجل : والله مكنتش قادرة أطبخ خالص .. فكلمت مليكة تيجى تطبخ على ما أنا أوضب الحاجات دى فى الأوضة .. وطبعا اتريقت عليا زى السنه اللى فاتت وقعدت تقوللى كبرتوا عالكلام ده و بطلوا شقاوة بأه مانت عارف بنتك .
ضحك قائلا : قلتلك بلاش بناتك يعرفوا لحسن يحسدونا ..محدش غيرنا يا حبيبتى هيفهم اللى بينا .. وانتى مصرة ما بتسمعيش الكلام
دفنت وجهها فى صدره أكثر وأجابت : مانا عارفه انك مش بتحب غير أكلى .. وأكل مليكة هو أقرب حاجه ليا أعمل ايه بس؟
قبل جبينها وضمها أكثر فقالت : هو احنا بجد كبرنا عالحاجات دى ؟
فرفع وجهها إليه ناظرا فى عينيها مباشرة قبل أن يجيب : كبرنا يا حبيبتى .. بس أكيد مش قد ما حبنا كبر .. عشان حبنا مش ضد الوقت .. معاه.

الثلاثاء، 5 أكتوبر 2010

الرسالة الرابعة

هذه رسالتى الرابعة إليك .. لن تصلك كما لم تصلك سابقاتها .. ولكنها ربما تتسلل يوما إلى قلبك فتعاودك تلك الوخزة التى تشعر بها من آن لآخر .. فتتساءل فى نفسك عن حالى .. بالحديث عن هذا تعاودنى تلك الوخزة مرتين أو ثلاثة يوميا ولم أعد أتذمر .. فقط أفتقد مشاطرتها معك ..
فى الواقع لا أدرى لماذا اخترت هذه الرسالة باذات لانتهاك خصوصيتها .. فمحتواها لا يختلف عن أيا مما سبقها .. لعلى أردت التأكد أننى أكتب فعلا ولم أجن بعد، فكما تعلم الرسائل التى لا تصل لأصحابها أقصر الطرق لجنون كاتبيها ، ولعلها تلك الحالة .. ذلك الهاجس الذى ينتابنى من حين لآخر و يتردد فى رأسى ولا يخرج إلا بخروج الكلمات إلى النور .. بالرغم من أننى مازلت أتساءل .. أى نور هذا الذى لا تراه عيناك؟ ولكننى مازلت متمسكة بمبدأ أن الرثاء لنفسى لا يستوجب اغراقك فى المزيد من الهموم ، فأنا أعلم ما تشعر به وكفى .
حسنا لم أتغير كثيرا منذ ذلك الحين .. أصبحت أكثر قدرة على العد .. يوم .. اثنين .. ثلاثة .. أسبوع .. عشرة أيام ..عمر بأكمله ينقضى على صفحات مفكرة صغيرة أستخدمها لأذكر نفسى أننى مازلت حية كل صباح .. بعد أن اتسعت الفراغات بين أصابعى - تلك التى اعتادت أصابعك أن تملأها - فأصبحت أكثر قدرة على تسريب الأيام دون أن يعاودنى ذلك الألم الحاد الذى كان ينتابنى فى البداية ..
لم تتغير ملامحى كثيرا .. أتذكر تلك التجعيدة التى تعتلى زاوية فمى اليسرى عندما أضحك ؟ اختفت تماما !! ربما هى إحدى مزايا الوجوم التى بدأت اكتشافها بنفسى .. وربما أكتب عنها يوما فى احدى مواقع الجمال و المرأة .. نصيحة مجرب : ضحك أقل لشباب دائم .

أعلم أن الحياة ستتعامل معك باحترام ، لأنك تستحق ..
إعتن بنفسك .. أعلم أنك ستفعل

محبتى

الأحد، 3 أكتوبر 2010

سكر نبات

أول ما لفت انتباهى إليها كانت الخصلات البيضاء التى غزت شعرها الغجرى بالرغم من صغر سنها البادى على ملامحها التى كانت تفتقر الى الجمال نوعا .. كانت بادية القلق والارتباك وكأنها زيارتها الأولى لطبيب الأسنان .. أعلم أن الكثيرين يجدون الأمر مفزعا ويبدو عليهم القلق و التوتر فتتسارع كلماتهم و يشحب لونهم بمجرد جلوسهم على المقعد الجلدى المتحرك ، ولكنها بدأت فى أعراض التوتر المعروفه بمجرد دخولها عبر باب الحجرة .
كانت فى أواخر العشرين على أقصى تقدير .. ترتدى الجينز الأزرق الفاتح مع الأبيض و الأسود ذى الأكمام الطويله .. سمراء نحيلة تضع العوينات و تتحدث بعصبية .. ولاتكف عن العبث بأصابعها الخالية من أى أثر للارتباط ، وقد كانت واضحة منذ البداية :
- أنا بخاف جدا من دكاترة السنان و لولا ان ضرسى مش مخلينى أنام مكنتش جيت أبدا، فلو سمحت بالراحة خالص.
هكذا تحدثت الى الطبيب الذى أعمل أنا كمساعدة له والذى ابتسم بهدوء و أومأ أن " حاضر متقلقيش"..
كانت متعاونة بالقدر الذى سمحت به هيستيريتها، ففتحت فمها واحتملت بالكاد ألم إبرة التخدير .. طلب منها الطبيب المغادرة لدقائق ريثما يبدأ مفعول المخدر فغادرت على الفور.. وضغط هو زر الجرس ليطلب المريض التالى ناظرا إليها بإشفاق- تلك المسكينه.
انتهى الآن مما يفعله وضغط الزر مرة أخرى لتدخل ، وعندما لم يدخل أحد طلب منى أن أتفقد ما يحدث بالخارج ، فقط لأفتح الباب وأجدها بصحبة مريضة أخرى تقبض الفتاة على ذراعها بإحكام .. حيت المريضة الأخرى الطبيب بحميمية تدل على معرفة شخصية ، وبادلها التحية بما يؤكد هذا قبل أن تقول باسمة :
- أنا لقيتها خايفة و عايزة تمشى قلت أدخل معاها وهى بتخلع لو مفيش مشكلة..
باسغراب أخبرتها ألا مشكله هناك فدخلت الاثنتان ، تمددت الفتاه العصبية على الكرسى دون أن تفلت ذراع مرافقتها التى تعرفت عليها منذ دقائق ، حين بدأت أنا فى إعداد ما سيحتاجه الأمر من أدوات.
- بالراحة لو سمحت .. بالراحة
قالتها بعصبيتها الزائدة فابتسم الطبيب مطمئنا أن " مش عايزك تقلقى خالص ان شاء الله مش هتحسى بحاجة ، ولو حسيتى قوليلى وأنا أديكى بنج تانى ."
كنا نعلم أن هيستيريتها ستزيد من سوء الأمور ، ولكن لابد مما ليس منه بد.
بالطبع لم تكن أسهل الحالات التى يمكنك التعامل معها ، ليس طبيا و إنما إنسانيا .. خصوصا عندما بدأت فى البكاء و الضغط على رأسها بيديها مرددة " صداااااااااااااع " .. حتى انها نجحت فى إرباكى انا شخصيا حين بدأت فى ضرب ذراع الكرسى بيدها مرددة "كفاية" .. كانت لحظات ثقيله بالفعل .
بمعجزة ما أنهى الرجل ما بدأه وأعطاها تعليمات ما بعد الخلع ، وانصرفت شاكرة ، وبقيت الأخرى تحكى كيف وجدت الفتاة فى قاعه الانتظار بالخارج تحكى على الملأ أنها متوترة جدا ، ثم تتطرق إلى حياتها الشخصية فتخبر الجميع دون سابق معرفة كيف تعانى من حالة نفسية وتقصد طبيب نفسى للعلاج ، وتعيش مع أخيها وزوجته التى تكرهها ، ولا تجد ما تفعله بلا زوج أو عمل ، والكثير مما لا يقال فى العادة فى قاعة انتظار طبيب .
- أنا لقيتها قاعدة تتكلم والناس بتتفرج عليها ويبصولها بصات مش قد كده فقعدت أتكلم معاها ووعدتها إنى أدخل معاها وهى بتخلع بشرط إنها متتكلمش عن نفسها كده تانى عالملأ .. انت عارف الناس بيبصوا للى بيتعالج نفسيا إزاى مع إن كلنا مرضى بدرجات متفاوته ..
قالتها المرأة وهى تتمدد بهدوء على الكرسى المتحرك
- مسكينه .. كان باين عليها من أول ما دخلت إن فيها حاجة غلط
قالها الطبيب بلا مبالاه ..
- الحمد لله إنها جت على قد كده
قالتها قبل أن يبدأ الطبيب فيما هو بصدده .. بدأت ألاحظها ..
كانت فى أواخر الثلاثينات متوسطة الجمال ولكن اهتمامها بمظهرها بادى على ملابسها وحذائها و غطاء رأسها الأنيق ، وزينتها الهادئة التى تدل على بساطة ورقى فى نفس الوقت .. كان يناديها باسم تدليل بما يوحى بمعرفة وثيقة وكانت تتحدث بعفوية تؤكد هذا.. زميلته فى عمله بالفتره الصباحية كما اتضح لى من حوارهما ، تكبره بما لا يقل عن عشر سنوات تسمح لهما بهذا المزاح اللطيف دون أن يشعر أيا منهما بالحرج .
انتهى منها وثرثرا قليلا .. أشركتنى هى فى الحديث بعد أن تعرفنا كما ينبغى .. اندمجت معهما تماما وتحدثنا كأصدقاء .. ودودة جدا هى و على قدر كبير من الثقة بنفسها..
- عايزة صور خطوبتك بأه بقالك قد ايه واعدنى تجيبهوملى؟
قالتها مداعبه حين ضرب هو جبهته بيده مشيرا الى نسيانه التام
- معلش والله بنسى .. هجيبهوملك بكره ان شاء الله
- أما نشوف .. على الله بس ألحق أشوفهم قبل الفرح
قالتها ضاحكة وهى تتوجه نحو الباب مغادرة .. فضحك ثلاثتنا وودعتنا منصرفة .. أغلقت أنا الباب والتفت إليه
- لطيفه أوى مدام هند .. حبيتها
اندهش وأجاب مسرعا :
- مدام ايه دى مش متجوزة .. إوعى تكونى غلطتى و قلتيلها يا مدام لحسن أنا عملتها مرة فى أول معرفتى بيها و لقيتها أحرجت جدا ..
- معقول؟
أومأ مؤكدا فى أسف .. بذهول رحت أحاول تذكر أى قيود ذهبية فى أصابعها فلم أستطيع .. سرحت قليلا أقارن فى ذهنى بينها وبين المريضه الهيستيرية التى رافقتها ، وأسترجع تحديدا صورة الفتاة و هى تقبض على ذراعها عندما دخلت للمرة الثانية .. ولسبب ما تذكرت أغنية بعينها لمحمد منير .. وخطر لى أننى إذا فتشت فى جيوب أيا من الفتاتين .. فسأجد الكثير من سكر النبات ...

الاثنين، 12 يوليو 2010

بدل فاقد

هى

كان اليوم الثالث لهذه المهزلة الورقية .. وكأنما تريد الحكومة معاقبتى على تضييع بطاقة الرقم القومى بوضعى تحت رحمة أكثر خلق الله عنتا و حبا فى "توقيف المراكب السايرة " .. كان الأمر كاالتالى ..
منذ خمسة أشهر أو لعلها ستة – لا أذكر لأننى فى العادة مش بركز فى التواريخ - فقدت بطاقة الرقم القومى ضمن مافقدت من محتويات حافطة نقودى .. لم يكن الأمر ليمثل الفارق الكبير لدى فلست من طراز البشر الذى يهتم كثيرا بحمل أوراق اثبات الهوية .. ربما لأننى لم أتعرض لموقف يتطلب هذا فعلا .. ولهذا تطلب الأمر خمسة أو ستة أشهر من الزن و الاحاح المتواصل ..كى استخرج بدل الفاقد ..
الحجرة الخانقة فى السجل المدنى مزدحمة كالعادة بالكثيرين ممن يشاركوننى مأساة استخراج الرقم القومى .. وكعادة المصريين فى كل شىء ينقسم المواطنين الى طابور " الحريم " و طابور " الرجالة " الشىء الذى لا يضايقنى و انما فقط يثير سخريتى .. عموما كان هذا فى صالحى لأن طابور الستات أقصر من طابور الرجالة .. هذا بالطبع قبل أن أكتشف أن كلا الطابورين يتعاملان مع ذات الشباك و مع موظفة واحدة فقط . وتلك الأخيرة لا تتردد فى البحث عما قد يوقف الاجراءات و " هات كذا و تعالى بكرة " .. ولهذا السبب استغرق الأمر ثلاثة أيام كما سبق و أشرنا ..
أخيرا تحقق الحلم و استجيب الدعاء و انقشعت الغمة ووصلت الى الموظفة المحترمة التى ألقت نظرة فاحصة متأنية على الأوراق و التى كتب عليها " بدل فاقد " و أرفق بها محضر فقد للبطاقة القديمة .. ثم رفعت رأسها و سألتنى و الدهاء يطل من نظراتها " أمال فين البطاقة ؟"
قاومت و باستماته رغبتى العارمة فى أن أرقع بالصوت أو أن ألطم خدى أو أشق هدومى أو أهشم أنفها بلا رحمة .. وسحبت نفسا عميقا قبل أن أجيب " البطاقة ضايعة يا فندم .. و المحضر قدامك .. أمال أنا جاية أطلع بدل فاقد ليه؟ "
نظرت الى – شوف البجاحة يا جدع – باحتقار .. ثم بحثت بين الأوراق على ما يمكنه تعطيلى حتى وجدته " عايزة اثبات شخصية .. هاتى حد من أهلك يضمنك "
لملمت أوراقى و خيبتى و عدت من حيث أتيت .. بعد كل هذا العناء و كل المستندات الرسمية التى بحوزتى مازالت تريد ضامنا .. ألا فلتذهب البيروقراطية بكل صورها الى الجحيم ..

*********

هو

كدت أجن من الانتظار فى الجو الخانق و الطابور الذى لا يتحرك تقريبا .. هل يعقل أن أمر بكل هذا القدر من التعذيب الغير آدمى حتى أجدد بطاقة الرقم القومى اللعينه ؟ أى جنون !!
فى مثل تلك الأوقات تصبح تسليتك الوحيدة تأمل اللذين يشاركونك العناء .. السخرية المرة فى الانقسام الأزلى الى طابور للسيدات و طابور للرجال فى محتمعنا المحافظ .. الشىء الذى ان دل فيدل على استحالة وجود علاقات محترمة بين الجنسين فى هذا البلد حتى و لو كانت تلك العلاقة لا تتجاوز التجاور فى طابور حكومى لبعض الوقت ..
كنت أجيل عينى بسخرية بين الواقفين و الواقفات حتى توقفتا مجبرتين – عندها ...
كيف يمكنك ألا تلاحظها؟ بصمتها الصارخ ذا الحضور الأقوى من صراخ الموجودين جميعا .. وايقاع حركة يدها ذات الأظافر المطلية بحمرة وردية نوعا وهى تحرك برقة حافظة الأوراق التى يتماشى لونها مع لون طلاء أظافرها بدقة تبدو مبالغا فيها فى مثل هذا الجحر.. تحركها ببساطه للحصول على بعض الهواء .. فيصلنى فى مكانى عطرا زهريا رقيقا ينبعث من خصلات شعرها المنسدل مع كل حركة .. حتى نظراتها التعبة المشبعة بالملل التى تتأرجح بين الأرض و السقف و ساعة يدها لها طابع ملائكى واضح .. كانت تسبقنى .. مما أتاح لى أن أتأملها دون أن تزعجها نظراتى .. تماما كما تفعل مع يمامة ما تعلم تماما انك ستفقدها فى اللحظة التى تقترب فيها منها .. لذا اكتفيت بمتابعتها وقد شغلتنى عن الحر و الملل و السباب و عن كل شىء ..
مع وصولها الى النافذه انقبض قلبى نوعا .. ستذهب .. ستطير و لن أراها ثانية .. لا أدرى ما الذى يمكننى فعله لأمنعها .. و عندما أيقنت أنه ليس ثمة ما يمكن عمله اكتفيت بارهاف السمع حتى يكتمل بصوتها السحر الذى وقع على منذ رأيتها .. رأيتها تلملم أوراقها بشىء من العصبية وملامحها الدقيقة تشى بغضب تجيد التحكم فيه .. وتابعتها بعينى حتى غادرت .. لم يحدث لى من قبل أن شعرت بشىء مثل هذا .. لم تكن صارخة الجمال و لكنها دون شك آسرة ...
لا ادرى كيف انصرف تفكيرى عنها بعد ذلك الى ما جئت من أجله و بالطبع اتبعت معى الموظفة سياستها المعتادة والتى تقضى بحد أدنى زيارتين للحصول على ما جئت من أجله .. بنظره شامته قالت " عايزة وصل نور هاته و تعالى بكره " ... منعت نفسى من أن أبصق فى وجهها ولملمت أوراقى و خيبتى .. وانصرفت ..


***********

هى

اليوم حار جدا كما يبدو .. الشىء الذى جعلنى ممتنة لاختيار الأبيض الفضفاض ذو الأكمام القصيرة و أكثر امتنانا لجمع شعرى الى أعلى .. يمكننى ممارسة الانتظار بدراما أقل اليوم و قد رافقتنى اختنى لتثبت أننى أنا كما طلبت تلك الموظفة أمس .. كانت تقف معى نثرثر و نضحك من آن لآخر على أى شىء و على كل شىء .. فالغرفة تعج بالمضحكات المبكيات .. شعرت بالعطش فقررت أن تذهب لتشترى شيئا لنشربه مطمئنة الى مكاننا الذى لا نحسد عليه فى نهاية الطابور الطويل .. طبلت منها ألا تتأخر ووعدتنى ألا تفعل و غادرت ..
لم يمض على ذهابها لحظات حتى تنبهت الى صوت أحدهم يتساءل " هما جابوكى تانى النهارده؟ " و عندما التفت لأرى المتحدث فاجأتنى عينان عسليتنا شديدتا النقاء و فيهما ابتسامة ود .. تلك التى لا يمكنك مقابلتها بالجفاء المتوقع فى تلك المواقف.. للحظات لم أجد ما أرد به فأومأت ايجابا .. قال و كأنما شعر بأنه تسرع فى شىء ما " هو انتى مش كنتى هنا امبارح؟" أجبته أن نعم .. وحكيت له باختصار قصتى المأسوية مع الموظفة الحيزبون .. انفجرت منه ضحكة أجفلتنى عندما وصفتها له بالحيزبون ثم ما لبث أن اعتذر متداركا الموقف "أنا آسف بس أصل حيزبون دى لايقة عليها أوى"
لم أجد ما أقوله .. لعلى تماديت فى المزاح مع شخص لا أعرفه .. وان كانت ملامحه تبدو مالوفة نوعا .. ربما لآنه كان هنا بالأمس .. على كل حال لم يعجبنى ما وصلنا اليه و قررت أن أنهى الحديث فأشحت بنظرى عنه و نظرت باهتمام الى اللا شىء ..

*********

هو

لم أصدق عندما رأيتها تعبر خلال الباب الذى خيل الى انه ابتسم لحظة مرورها عبره .. كيف لا و قد زادت تألقا و سحرا بين عشية و ضحاها ؟ كانت ساحرة فى زيها الأبيض الفضفاض الذى بالكاد يلامس بشرتها الخمرية .. وشعرها البنى المرفوع بأناقة الى أعلى .. ربما كانت بساطتها المفرطة سر سحرها .. هى فتاة تجيد التلاعب بالألوان و بالقلوب أيضا.. شعرت بأننى اذا لم أتحدث اليها اليوم فسأعيش عمرا من الندم .. ولكن كيف وهى اليوم بصحبة فتاة أخرى تبدو من ملامحها المشابهه لها و كأنها قريبتها أو أختها ربما .. شعرت بالضيق و الحنق على الفتاة التى لا ذنب لها الا انها تعارضت دون ان تدرى مع مشاريعى الخاصة.. وجدتنى اتسلل كطفل الى نهاية الطابور كى أقف بجوارها و استمعت بارهاف الى حديثهما .. كانت تسخر من كل شىء .. ودودة جدا و تتحدث بتلقائية تشعرك انها ربما أختك أو ابنتك .. كانت ممتعة ..
لم أصدق أن المعجزة حدثت فعلا حين قررت مرافقتها أن تذهب لاحضار ما تشربانه كما سمعت.. شعرت بأن ساقى تخدرتا و أوشك قلبى على التوقف حين أفلت منى سؤالى .. لم يبد أنها لاحظتنى البارحة .. طبيعى .. فكيف لنجمة عالية أن تلتفت لكل من بهره نورها؟ تحدثت بود و باختصار – أو لعلى توهمته اختصارا لأن كلماتها القليلة المتحفظة لم تشبع رغبتى فى التحدث معها الى الأبد – عن سبب وجودها هنا للمرة الرابعة كما اتضح لى .. وقبل أن تسعفنى قريحتى بما قد يسمح بالاسترسال فى الحديث تلاشت ابتسامتها العذبة ببطء و أشاحت بوجهها وكأنما أدركت انها أعطتنى الكثير مما لا استحقه .. كان هذا محبطا بحق ..

*************

هى

كانت ياسمين قد وصلت للتو لتنقذنى مما أنا فيه .. هل كانت وقاحة منى أن أنهى الحوار هكذا فجأة .. أم لم يكن من المفترض بى الخوض فى هذا الحوار منذ البداية ؟ لم يتجاوز الرجل حد الكلمات البسيطة التى قد يتبادلها الناس فى موقف مثل هذا .. ولكننى لأسباب تتعلق بعينيه العسليتين لم أشعر أنه كان حديثا عابرا .. نجحت ياسمين فى اخراجى من أفكارى حتى وصلت الى الموظفة التى تذكرت وصفى لها بالحيزبون .. وتذكرت كيف ضحك بشدة على تعليقى .. نظرت اليه فوجدته ينظر الىَ بابتسامة خمنت أن سببها أنه تذكر ما قلته بدوره عندما رآنى أمامها وجها لوجه .. كانت قد انتهت للتو من احباط الرجل الذى كان يسبقه فى الصف حين التفتت إلىَ و تقدم هو ليحل محل سابقه .. فوقفنا متجاورين .. راجعت البيانات بذات النظرة الفاحصة وكررت السؤال الأزلى " أمال فين البطاقة؟ " كادت ياسمين تصاب بالشلل اثر هذا السؤال بينما أجبت أنا " يا فندم والله العظيم البطاقة ضايعة و ده طلب بدل فاقد و فى صورة من المحضر" .. رمتنى بنظرة الاحتقار اياها قبل أن تتساءل " اسمك منى؟ " فأجبت و كأنما أنفى عنى تهمة ما " لأ اسمى مى حضرتك .. ميم يه بس .." أنهت الأوراق وطلبت منى الدخول الى مكتب آخر لاتسلم ايصالا بالاستلام .. أخبرتنى الموظفة التى دخلت اليها أن الاستلام بعد اسبوعين من الآن .. كنت أدفع باب المكتب فى طريقى للخروج حين وجدته أمامى مباشرة .. ابتسم ابتسامته العسلية وقال بلهجة المنتصر " هاتخديها أخيرا " .. أجبت ببساطة " آه ان شاء الله كمان أسبوعين" .. امتدت يده الى فوضعت الايصال فى كفه بتلقائية .. ألقى نظرة عابرة على تاريخ الاستلام ثم أعادها الى قائلا كمن يودع صديق ما " يالا مبروك يا ستى .. مع السلامة " .. لم أرد لأن ياسمين فى تلك اللحظة جذبت ذراعى و مضت بى خارجا .. لم انتبه الى حديث ياسمين ولا الى الفرحة التى يجب أن أشعر بها بعد الفوز بالايصال أخيرا بقدر ما انتبهت الى شىء ما فى ابتسامته العسلية وكلماته البسيطة أكد لى أنها قطعا لن تكون المرة الأخيرة ...

**********

هو

أيام مثل هذه تستحق أن تسرع الى أقرب روزنامة لتضع دائرة حمراء حول تاريخ اليوم .. لأن شعورا ما بداخلك يؤكد لك أنك ستحتفل بهذا التاريخ بعد هذا كل عام .. اغتصبت منها موعدا دون أن تدرى .. لا أعلم كيف تجرأت لآخذ الايصال لأعرف تاريخ الاستلام .. ولا كيف ناولتنى هى اياه بهذه البساطة .. ربما هو القدر الذى ظل يتآمر معى و عليَ فى اليومين الماضيين يساندنى مرة أخرى كى لا تضيع منى .. لا أعرف ما هذا الذى أشعره و لم أكن يوما من المؤمنين بالحب من النظرة الأولى .. ولكننى أجد نفسى اليوم مؤمنا بالسحر من النظرة الأولى .. بالسعادة من اللحظة الأولى .. بالقدر الذى يتقن ألاعيبه فى أى وقت و فى أى مكان ..

الأربعاء، 16 يونيو 2010

يطير الحمام .. يحط الحمام

أول ما قفلت معاك و يمكن من قبل ما أقفل .. كانت فى فكرة معينه – من وسط 7000 فكرة- عماله تتردد فى دماغى.. ان علاقتى بيك ماشية على قضيب سكة حديد .. معروف من قبل ما تتحرك هى رايحة فين و جاية منين .. كل حاجه بيننا متوقعه أوى .. فاهمين بعض زياده عن اللزوم ..

فاكر لما قلتلى تتجوزينى و قلتلك ببساطة " آه" ؟ كنت عارفه انك هتقولها .. و هتقولها كده بالذات .. و كنت عارفه ان اليوم ده – النهارده - هيجى و هيجى كده بالذات ..

بعد ما قفلت فضلت متنحه كتير .. دموع بتنزل والكلام ميت فى حلقى مش بيفكر حتى يطلع .. برضو افتكرت احساسى يوم ما قلتلى تتجوزينى لما حسيت ان السما واسعة اوى .. فاكر؟ بعد ما قفلنا النهارده بأه حسيت ساعتها ان السما رجعت ضاقت تانى .. لأ لأ يا ربى مش ضاقت تانى .. حسيت السما انطبقت عالأرض .. آه متهيألى ده يوصف اللى حسيته..

روضة و نجلاء كانوا معايا فى الأوضه .. سألونى كتير مالك وانا مش لاقيه كلام .. كانوا شوية يسألونى و شوية يتريقوا على اعلان بتاع العاب موبايل فى التليفزيون .. موضوع عياطى ده مكانش فارق أوى مانا بقالى يومين ببات معيطه ليلاتى .. ده الجديد يبقى لو معيطش .. ولقيت ساعتها غربتى واقفة قدامى و فاتحالى دراعاتها .. وليقتنى متكسرة ستميت حته عالأرض .. كنت متعودة لما الدنيا تكسرنى ان انت اللى تلم الفتافيت .. لما كسرتنى انت مبقاش فاضل فيا حاجه تتلم .. اترميت فى حضن الغربة و كملت بكا .. ولقيتها بتطبطب عليا و قالتلى وحشتينى ..

فى الحقيقة .. وبعيدا عن كل الأعراض المعتادة للزعل واللى انت عارفها كويس .. حسيت حاجه أبشع ..حسيت ان قلبى .. مكسوووور ... و حسيت انى عايزة اطلبك تانى أقولك بس انت كنت دايما بتقوللى أنا فى ضهرك .. أنا معاكى .. ودلوقتى .. أنا قلبى مكسور و ضهرى محنى .. و انت السبب ...

جت فى بالى أغنية فضل شاكر اللى سمعناها سوا .. "وينه ال قاللك يا حبى .. ما هنعرف معنى الغربه" .. لما غربتى قرت أفكارى عصرتنى اكتر عشان تأكدلى انى من هنا و رايح هعرف معناها كويس أوى ..

ايه كمان ايه كماااااان .. مممم

اتمنيت.. انى أصحى عشان ده اكيد كابوس عشان انت قلتلى اننا مش بنحلم و ان الواقع بتاعنا احنا أجمل من احلام أى حد .. و طبعا مصحيتش .. اتمنيت انى انام .. و أحط راسى عالمخده و مصحاش .. و بعدين اتمنيت أصحى ألاقيك .. معرفتش أنام أصلا .. المخدة كانت مبلولة أوى و عينيا بتوجعنى و الصداع و الرعشة و نفسى رايح .. مانتا عارف .. انا مجموعه عاهات ماشيه على رجلين .. مكنتش بفكر انت قرارك ده صح ولا غلط عشان انا عارفه انه صح .. كنت زعلانه اوى ان جالك قلب تكسرنى كده بحاجه حتى لو كانت صح .. سألت نفسى كتييييييييييييير أوى : جالك قلب؟ جالك قلب؟ جالك قلب؟ فكرت تانى أطلبك و أسألك جالك قلب؟ طب ازااااااااااااااى؟

من غير ما تحس غرست سكينه فى جرح قديم حمدت ربنا كتيييييييييير انه خف .. مكنتش مصدقة انك تعمل كده خصوصا ان انت بالذات الى خليته يخف أصلا..

اتسندت على غربتى و قمت .. ورجعت لصحاب زمان اللى هجرتهم بسببك .. بعد ما حياتى بقت على مقاسك انت و بس .. وماتساعش حد تانى .. طبطب منير عليا بكلمتين تحت شجر اللمون لحد ما هديت .. وفكرنى انى طول عمرى بقدر فى الحزن أفرح .. بعد يا دوب ما كانت نيكول كيدمان قلبت عليا المواجع كلللللللللللللللللللها ب "one day I’ll fly away"

هديت .. نوعا ما .. بقيت قادرة أسمع صوت واحد بس من وسط العشرتلاف صوت اللى كانوا فى راسى ساعتها و الصوت ده سكت الباقيين كلهم و قالهم كلمة واحدة : أنا لحبيبى و حبيبى الى .. واحنا ماسيبناش بعض ولا هنسيب بعض عشان مفيش حاجه اسمها كده أصلا .. وان أيامنا لسه جايه .. و ان .. انت المدا ... قبلك ما حدا و بعدك ما حدا يا حبيبى ما حدا..

غربتى طلعتنى من حضنها و بصتلى بغضب .. سألتنى " انتى هتمشى تانى؟" قلتلها بكل بساطه" آه" .. بنفس البساطة اللى قلتلك بيها" آه" لما قلتلى "تتجوزينى"؟ فاكر؟


العنوان - يطير الحمام يحط الحمام لمحمود درويش


الأغنيه - أنا اشتقتلك - فضل شاكر