الاثنين، 11 أكتوبر 2010

الجزء الرابع - ريتا والبندقية

هل تعرف ذلك الشعور الذى ينتابك عندما تسوء الأمور فجأة الى حد لا تستطيع التعامل معه فتظل تردد لنفسك " هذا لا يحدث حقا؟ " هو ذا .. كان أحمد خالد توفيق فى روايات ما وراء الطبيعة التى أعشقها منذ صغرى يتحدث دائما على لسان رفعت اسماعيل عن قاعدة " هذا لا يحدث حقا " بوصفها احدى ميكانيزمات الدفاع المعروفة التى يلجأ إليها عقل الإنسان عندما تحاصره المشكلة ..
هذا لا يحدث حقا ..
هذا لا يحدث حقا ..
حسنا .. عزيزى رفعت اسماعيل .. عزيزى أحمد خالد توفيق .. خمنا ماذا؟ هذا يحدث حقا و قد توقعت حدوثه منذ زمن .. مع هذا فأنا لا أستطيع أن أستجمع أفكارى لوضع سيناريو معين للأحداث .. وصورة الكنارى الذى يتخبط بين النوافذ القريبة لا تفارقنى ..
نهضت من على الفراش والتقطت المفكرة الصغيرة التى اكتب فيها كل ما يمكنك تخيله و بدأت أكتب
" rule no.1 : no regrets "
" rule no.2 :
وترددت قليلا .. ثم أضفت : always have a plan B
كنت أعلم أنه بالرغم من حرارة الاستقبال الذى استقبلتنى به رنا و سلمى ، فلن يمكن ان يستمر الوضع هكذا للأبد ، ربما تزوجت احدى الفتاتين أو كلتاهما أو ربما عادتا الى الأردن لأى سبب ، وربما اختلفت معهما ببساطة .. إذن فيجب البحث عن خطة بديله منذ الآن ...
وبما أن خطة السكن وثيقة الصلة بخطة العمل لا يجب أن تسبق الأولى الثانية .. فلنفكر فى العمل أولا
خرجت من الغرفة :
- رنا عندك الوسيط بتاع الأسبوع ده ؟
- مش عارفة احنا بنكومهم كلهم فى البلكونة وبنخليهم عشان تلميع الإزاز .. عايزاه دلوقتى؟
شعرت بالخجل نوعا .. سأجعلها تنهض لتبحث عنه فى منتصف الليل دون سبب وجيه بالنسبة لها على الأقل ..
- لأ خلاص كنت بسأل . طب عندك مسكن لحسن صداع هيموتنى
كانت هذه حقيقة مؤسفة .. لست من النوع الذى يمكن ان ينسجم مع النكد دون خسائر كما ترى
- على التلاجة جوه فى علبه بنادول اكسترا و فى كتافلام فى التلاجه .. عيشى
- مريم .. خفى عن نفسك شوية .. اشربيلك كوباية لبن عشان تعرفى تنامى .. فى لبن فى التلاجه وأكيد انتى مش محتاجه عزومة
قالتها سلمى بجدية فأومأت بامتنان .. ربما ليست فى رقة رنا ولكنها تهتم حقا ..
ابتلعت قرصى المسكن مع كوب من الحليب وفى طريقى الى الغرفة تذكرت أننى لم أصلى المغرب ولا العشاء .. تبا ... توضأت وعدت إلى رنا و سلمى :
- هى القبله منين يا جماعه
أشارت بيديها لاتجاه القبلة موضحة :
- ناحية باب الشقة يمين شوية .. فى مصلية فى الدولاب اللى فى أوضتك .. الدرج اللى فى النص فيه باين واحده تركواز كده .. بس ابقى ادعيلنا والنبى
انهت كلامها بابتسامة بادلتها إياها وعدت للغرفه .. وصليت المغرب والعشاء ..
" يا رب .. أنا عارفة إنى غلطت .. عارفة إنى اتسرعت .. بس عارفة إنى مكنتش هقدر أستحمل أكتر من كده .. يا رب أنا مطلبتش أكتر من إنى أشتغل عشان محدش يبقى ليه عندى حاجة .. وأتجوز الولد اللى بحبه .. يا رب .. هو ده كتير؟ هو ده حرام؟ افرجها يا رب ، ساعدنى أمشى صح الفترة الجاية يا رب.. اللهم دبر لى فإنى لا أحسن التدبير.."
ختمت الصلاة وأنا فى حالة انهيار تام .. بكاء متواصل لا أدرى له سببا ..

"هو بكره اتأخر كده ليه؟! "
آلآف الأفكار عما قد يحمله الغد لى ولأحمد ولكل أبطال هذا المسلسل المكسيكى السخيف .. مشاهد الشجار تتكرر فى رأسى تلقائيا ولا أستطيع ايقافها .. ويبدو أن البنادول يزيد من الصداع هذه الأيام ..

أحمد يتصل .. ابن حلال .. الكلام بيننا لا ينتهى ولا يكرر.. ربما كان هذا من أجمل ما يميز علاقتنا ..
- عايزة حاجه أجيبهالك بكره؟
- هاتلى الوسيط بتاع الأسبوع ده ، وأى جرنان فيه اعلان وظايف .
- حاضر
كم أحبه عندما يفهمنى دون الكثير من الرغى .. كم أحب تلك ال "حاضر "..
- هتعملى ايه بكره؟
- هعدى على ماما فى الشغل ، عايزة أطمنها عليا و مش عايزة أتكلم فى التليفون ولا الموبايل ، بعدها هعدى على ريهام عشان أنا محتاجه أقعد معاها وأبع اللى فى قلبى كله ..
- تبعى ؟ طب مانا معاكى أهه يا حبيبتى ، بعى براحتك
- يا حبيبى مانت خدت جرعتك خلاص ، تعالى السبت الجاى استشارة .. ده بقى دور ريهام.
ضحكنا .. كيف يمكنه أن يجعلنى أشعر بكل هذا الأمان ؟ كيف أحبه الى هذه الدرجة ؟
- اللى يريحك يا حبيبتى ... مريم
- نعم
- أنا بحبك .. انتى عارفه كده؟ وهفضل أحبك و هفضل معاكى و هنعدى الأزمة دى سوا .. متفكريش فى حاجه .. فاهمة؟
صمت .. كنت بحاجه لأن أرتمى بين ذراعيه و أبكى حتى الصباح ..
- بحبك أكتر ....
كان يعلم أننى عاجزة تماما عن النوم .. فى انتظار ان يبدأ مفعول المسكن بدأ يقرأ لى - بناء على طلبى - قصائد معينه لمحمود درويش كى أنام .. يطير الحمام يحط الحمام ، درس من كاماسوطرا ، ليل يفيض من الجسد .. ريتا التى كان ينادينى باسمها أحيانا ..
- بين ريتا وعيونى بندقية ..
والذى يعرف ريتا
ينحنى ويصلى
لإله فى العيون العسلية ...
بدأ النوم يداعب عيني .. وكان آخر ما سمعته صوته يردد :
- آه .. ريتا
أي شيء ردّ عن عينيك عينيَّ
سوى إغفائتين
وغيوم عسليّهْ
قبل هذي البندقيهْ!
كان يا ما كان
يا صمت العشيّهْ
قمري هاجر في الصبح بعيداً
في العيون العسليّهْ
والمدينة
كنست كل المغنين ، وريتا
بين ريتا وعيوني . بندقية

الجزء الثالث - القاعدة الأولى

كثيرا ما دارت أحلامى حول الهروب والمطاردة .. تكرر هذا الحلم معى كثيرا .. وكنت أخبر أمى فتجيب بأنها خلافاتى مع والدى .. تسكن عقلى الباطن وتفرض نفسها على أحلامى .. أما عن المطاردة فكانت تقول " الدنيا .. بتجرى وراكى و مش سايباكى فى حالك ، وهى يعنى سايبة مين فى حاله؟! ابقى اقرى قرآن قبل ما تنامى .. "
فقط لو تتحقق كل الأحلام بتلك الدقة ..
كنا فى سيارته نتجه الى منزل رنا ، صديقة أردنية تعيش فى القاهرة مع قريبتها بمفردهما .. بعد أن هاتفتها وشرحت لها باختصار أبعاد المشكله ووافقت مرحبة .. لم تكن يوما أقرب صديقاتى ولكنها صديقة جيدة وطالما أمكننى الاعتماد عليها .. وهى على علم بمشاكلى الأسرية اللطيفة لذا لم تسأل كثيرا ..
كان احمد واجما ولكنه من باب الرقة وضع اسطوانتى المفضلة فى مشغل الاسطوانات .. الموقف برمته سخيف جدا لكلينا .. هو يكره حقيقة تركى لمنزل أهلى .. ويكره حقيقة عجزه عن اقناعى بالعودة .. ويكره حقيقة رفضى لاتمام زواجنا .. ويكره كل ما يتعلق بالوضع الحالى فى الواقع .. وأنا أعذره وأشفق عليه، ولكنه سيتأقلم .
بدأت أعى حقيقة أننى بمفردى من هذه اللحظة .. بعيدا عن أحمد و رنا أعنى أننى أملك زمام أمرى .. للمرة الأولى أصبحت أنا من تضع القواعد بدلا من محاولة التكيف معها او تكييفها معى .. والأمر على قدر روعته ليس سهلا .. لابد من التمهل كى لا ينتهى الأمر بمأساة ما..
وكانت القاعدة الأولى من قواعد الشارع : لا مجال للندم .. لن أندم على ما فعلت ولن أفعل ما يمكن أن أندم عليه ..
يبدو أن السيارة توقفت من مدة لأن أحمد فرقع باصابعة أمام عينى قائلا : " يا حاجة "
- لا مؤاخذه يابنى العتب عالنظر
ضحكنا ثم مرت لحظات صمت ..
- هطلع معاكى عند رنا .. عايز أتكلم معاها
- تطلع فين يا خفيف ؟ الدنيا ليل و دول بنات عايشين لوحدهم .. انت عايزنا نجيبلهم مصيبة ؟ عايز تكلمها فى موبايل ان شاء الله و فى نت و فى كل وسائل التكنولوجيا اللى انت عايزها ..
ابتسم بخبث .. كان يريد أن يعرف ردة فعلى لا أكثر فهو لا يحتاج إلى لأخبره بما يليق وما لا يليق .. فتحت باب السيارة لأنزل فقبض على معصمى
- بصيلى من الشباك لما تطلعى
- أحمد حلمى حضرتك؟ ماشى .. ولو شقتهم مش عالشارع؟
- يا رخمه.. كلمينى لما تطلعى و تستقرى كده .. ومتنسيش
آه ..الموبايل ..كنت قد نسيت أننى أغلقت موبايلى منذ أنهيت مكالمتى معه منعا للازعاج المتوقع .. سأضطر لفتحه اذن بكل أسف ..لا يهم..صاح مرة أخرى "يا حاجة "
- أيوة أيوة حاضر هكلمك لما أستقر و اقعد كده ..
- هعدى عليكى الصبح قبل ما أنزل الشغل .. خدى خلى دول معاكى لحد بكره
مد إلى 100 جنيه فنظرت إليه بامتنان ساخر
- ودول هعمل بيهم ايه من النهاردة لبكره؟ مش ..
قاطعنى غاضبا :
- امسكى يا مريم وبطلى سخافة ..
- والله مش موضوع انى مش هاخد منك فلوس بالعكس دانتا اللى هتشيلنى الشهر الجاى لحد ما اتعين وأقبض .. الفكرة ..
- امسكيييييييي .. وبكره هجيبلك ألفين جنيه خليهم معاكى لحد ما ربنا يفرجها عشان متحسيش انك كل شوية تاخدى فلوس أنا عارف إنك مش بتحبى كده حتى مع أهلك ..
وددت أن أقبله بشده ولكنى اكتفيت بقبلة فى الهواء وأنا أتذكر القاعده الأولى : " لا مجال للندم "
- تصبحى على خير يا حبيبتى .. خلى بالك من نفسك
- حاضر وانت من اهله
- افتحى موبايلك
- حاضر
- واستنى صحيح ادينى نمرة رنا عشان أكلمها
- .........
- تمام .. باى باى يا بيبى
- باى
**********

فى بيجاما بيضاء ذات نقوش وردية جلست بجوار رنا أمام التليفزيون بعد أن استقبلتنى كأفضل ما يكون .. عناق و طبطبة وترحيب شديد .. لم أكن أعلم أنها ودودة لهذا الحد تلك الفتاه ..أخذت رشفه من مج النسكافيه الذى أعدته لى وقلت ضاحكة :
- بجد يا رنا مش عارفه أقولك ايه عالبرشطه المفاجأة دى .. ياختى الواحد يبقى قاعد لا بيه ولا عليه ويلاقى المصايب جاياله لحد عنده كده
استماتت فى نفى الأمر مع الكثير من "ده بيتك يا بنتى" .. و"انتى منورانى" وخلافه .. كنا فى انتظار سلمى قريبتها التى تعمل فى شركة فى المعادى .. قابلتها مرة واحدة فى عيد ميلاد صديقة ثالثه ولم نتكلم كثيرا ..
- انتى متأكده ان سلمى معندهاش مشكله فى القلق ده ؟
- يا بنتى احنا بيتنا مفتوح لوكانده أصلا واخدين طول الوقت ان أى حد بيجى من الأردن بيقعد عندنا ، دى حتى تالا صاحبتنا المتجوزة جت عندنا لما جوزها كان مسافر .. مفيش أى مشكله متقلقيش ..
شعرت ببعض الاطمئنان .. دارت المفاتيح فى الباب ودخلت سلمى
- مساء الخير عليكو .. ازيك يا مريم؟
- الحمد لله سورى بجد
- يااا الله هتقعد بأه تعمل جو الأفلام .. بلاش هبل يا بنتى بيتك و مطرحك ، انتى مش هتقعدى كتير صح؟
قالتها مداعبة فضحكنا كثيرا وأجبتها : قد عشرة اتناشر شهر كده ..
بدلت ملابسها وجلسنا أمام التليفزيون نتابع فيلم ما .. ونتحدث من آن لآخر .. كان أحمد قد هاتفها وعرض عليها أن يشارك فى مصروف البيت فعنفته طويلا .. وعندما اطمأن على كل شىء طلب منى أكلمه قبل أن أنام .. وكالعادة تقمص دور الأب الذى لم أفتقده بعد " نامى بدرى ، بلاش سهر من غير لزوم ، متفكريش فى حاجه .." والكثير من تلك التعليمات .. أنا أحبه حقا ..
- معلش يا جماعه أنا داخلة أنام بقى لحسن مش قادرة تعبانه جدا
قلتها وأنا أعلم أن ملامح وجهى كلها تشى بكذبى ..
- ما تقولى من الآخر عايزة أروح أكتئب لوحدى عادى احنا مش بمنمع الاكتئاب عندنا ..
قالتها سلمى فابتسمت وهززت رأسى إيجابا فقالت باشفاق
- متفكريش فى حاجه .. ان شاء الله هتعدى .. أوضتك اللى على يمين الحمام وأنا و رنا هننام فى الأوضة اللى فى الوش
- آه ما رنا قالتلى وحطيت شنطتى فيها .. تصبحو على خير
- وانتى من أهله .. نصحيكى امتى؟
- أحمد هيتكلم يصحينى أنا هكلمه قبل ما أنام أصلا .. أشوفكو بكره
مضيت الى الغرفة وأنا أعلم أن هذه الليله لن تنتهى ..

الأحد، 10 أكتوبر 2010

الجزء الثانى - مهاترات

- أنا سبت البيت
سقط فكه فصار منظره مضحكا الى حد ما فتابعت
- ومن غير أى أفلام عربى من أى نوع ، عشان أنا خدت أوفر دوز أفلام عربى النهارده .. ويا ريت متحاولش تلعب دور نور الشريف فى حبيبى دائما وتضربنى بالقلم وتاخدنى ترجعنى البيت عشان احنا الاتنين عارفين الحقيقة المرة - أنا مش بوسى .
كان قد تمالك نفسه نوعا فنظر الى لحظات قبل أن ينفجر :
- ايه الهبل اللى انتى فيه ده؟ انتى هبله يا بنتى انتى؟ ايه التفكير الطفولى ده ؟ قومى يا شاطرة خدى شنطتك وعلى بيت أبوكى ولما تروحى ..
قاطعته بصرامة :
- أحمد .. بلاش الطريقة اللى بتتكلم بيها دى لو سمحت .. أنا كلمتك عشان أقولك إن ده الوضع الجديد ، أنا دلوقتى واحده سايبة بيت أهلى ، عندك استعداد تكمل معايا أهلا وسهلا ، معندكش أنا هقدر ده و سيبنى فى حالى من غير ما تحاول تلعب دور الواعظ عشان أنا خدت قرارى خلاص .
صمت .. أطرق لحظات ثم قال برفق :
- ايه اللى حصل طيب؟
كنت على وشك اخباره حين قاطعنا النادل فقال هو باقتضاب :
- اتنين برتقان فريش لو سمحت
- حاجه تانيه يا فن...
- شكرا
إلتفت إلى فى انتظار ما سأقوله .. وتطلب الأمر لحظات لأستجمع ما حدث .. أخبرته فى انفعال عن الخلاف الحاد الذى نشب فى المنزل منذ قليل بسبب رغبتى فى الاستقلال بعملى وممانعة السيد الوالد فى هذا لأبقى تحت سيطرته المادية ، ثم تطرقه -الوالد - دون داعِ لرغبتى فى الزواج من أحمد والتى يعارضها بالطبع ..
- قاللى ده بيتى عاجبك تعيشى معايا كده عاجبك مش عاجبك امشى .. فلميت حاجتى ومشيت .
بدا مصدوما الى الحد الذى أشفقت معه عليه ، هذه هى مشكلة الأطفال المستقرين عائليا .. يظنون ان هذه الأشياء تحدث فى الأفلام فقط .. مسكين ..
- يعنى هو اللى طردك من البيت
- متقولش طردك ، هو إدانى الإختيار وأنا اخترت .
ظل واجما حتى جاء النادل بالبرتقال ، ووضعه امامنا وانصرف . ظللت أتأمله بإشفاق .. لا ذنب له فى هذه المأساه الإغريقية إلا أنه أحبنى .. أمسكت يديه بقوة :
- اسمعنى يا أحمد ، هو اليوم باين من أوله أفلام عربى بلا توقف .. لو شايف إن الوضع كده مش مناسب ليك أنا هفهم ده ، انت ..
قاطعنى ساخرا :
- كفاية جو السبعينات ده إيه الخمسة جنيه المقطعه اللى مطلعاها دى ؟ خلاص يا أمى اتدبست واتنيلت و حبيتك واللى كان كان ..
من صفاء ضحكته تأكدت مما علمته مسبقا .. سيكون إلى جوارى كما كان دوما .. ضحكت مضيفة :
- من فضلك حاسب على ألفاظك .. ايه اتدبست دى ؟
ضحك وهمس :
- بحبك يا بنت المجانين ..
- بحبك أكتر يا سيد العاقلين ..


أطرقنا للحظات نحتسى العصير على مهل .. عيناه لا تفارقان الهاند باج السخيفة الملقاه على الأرض بجوارى .. ثم سأل ضاحكا :

- والقطة جايبة معاها ايه؟
- القطة جايبة معاها حاجاتها الضرورية .. هدوم خروج ، هدوم بيت ، فرشه سنان وحاجات شخصية ، كتبى وبس .. مخدتش منه ولا مليم مش عايزة منه حاجه أصلا .


- يعنى معكيش فلوس
- لأ

- أمال أنا ازاى هستغلك وأضحك عليكى واسرقك وأرميكى للكلاب؟
- مش عارفه .. اتصرف
قلتها ضاحكة .. كان بارعا فى تخفيف حدة الموقف ، وكنت بارعة فى التظاهر بالهدوء .

- خلاص يبقى نتجوز
قالها بجدية مفاجئة جعلت التهكم الذى كنت أنويه يبدو غير لائق بالمرة , فعزفت عنه وقلت بجدية مماثله :

- مش دلوقت و مش بالطريقة دى , مش عايزة يتقال هربت عشان تتجوزه لأن ده مش حقيقى و هيشيلك انت و أهلك فى نظر الناس ذنب معملتوهوش .. يبقى ليه؟ دا غير ان أهلك كمان مش هتعجبهم الطريقة دى

- ملكيش دعوة انا هعرف أزنجفهم ..

- زى ما قلتلك مش ده الحل , دايما كنت بتقوللى الجواز عشان يستمر صح يبقى لازم يبدأ صح , و ولا انا ولا انت مستعدين نتجوز دلوقت .. أنا محتاجه أعرف أنا فين و محتاجه أرض صلبة أقف عليها

- طب ما ده اللى انا بحكى فيه .. نتجوز و يبقى جوازنا أرض صلبة تقفى عليها

- مش بالطريقة دى .. ادينى فرصة أرسى الأول .. أشتغل وألاقى حته أعيش فيها مستقلة و بعدين منها نبدأ نجهز بيتنا وجوازنا .. مش قبل كده , كفاية انك مش هتاخدنى من بيت أهلى , مش هينفع يتقال طلعوا من الكافيه راحوا اتجوزوا يعنى

ابتسم . على مضض سيتقبل الفكرة التى عرضتها عليه لأن بدائلها معدمة , فأنا مصرة على ألا يعتقد أيا كان أننى هربت معه و اخترت تعاستى - هذا إذا ساءت الأمور فيما بعد وهو احتمال لا يجب تجاهله .. أحب أن تبقى الأمور فى نصابها فأنا لم أهرب وإنما غادرت , وهو لم يتزوجنى من كافيه وإنما كان لى قبله حياه مستقله .

- طب والعمل دلوقتى يا ست البنات ؟ هتقعدى فين يا ست المستقله؟

- ابتديت تفهمنى

الجزء الأول - كنارى

طالما كانت علاقتى بطيور الزينة معقدة ، فبين الرغبة الملحة فى اقتنائها و التساؤل الأزلى عن حقيقة موقفها من الأقفاص التى تعيش فيها انتهى أمر سبعة أزواج من الكنارى بطريقة متشابهه ، يطير أحد العصفورين من القفص - الشىء الذى يعتبره الآخرون إهمالا منى ، بينما لا يعلم حقيقه أنه إطلاق سراح غير مشروط غير العصفور وأنا - ليتوجب على بعد هذا اطلاق سراح الآخر أو إعادته إلى حيث اشتريته .
لكن ما كان يشغل بالى حقا هو شعور الطائر نفسه بعد إطلاق سراحه .. فجميعها تتصرف بطريقة مشابهة .. تحلق على علو منخفض ولمسافة صغيرة لتستقر على أقرب نافذة للشرفة التى هربت منها ، وكأنما تختبر أجنحتها ، ثم تتنقل تدريجيا الى شرفات أبعد وارتفاع أعلى حتى تغيب عن عينى تماما .
كانت أمى دوما تصفنى بالجنون ، قاصدة تلك الرغبة المستمرة فى الهروب والتى تتملكنى من آن لآخر .. كثيرا ما كانت تتذكر ضاحكة يوم جمعت بعضا من ملابسى فى حقيبتى المدرسية قاصدة الهروب من البيت مما اضطرها الى إغلاق باب البيت بالمفتاح وإبقاؤه فى صدرها طوال الليل لتمنعنى من تنفيذ مؤامرتى الصغيرة التى لم أكترث كثيرا بانكشافها .
الوقت يمر ببطء شديد جدا .. لم تكن الساعة تجاوزت السابعة بعد حين ارتفع أذان العشاء .. تبا للتوقيت الشتوى الذى ينهى اليوم قبل أن يبدأ .. بل تبا للنزعة المصرية التى توحى بانتهاء اليوم مع أذان العشاء . بالكاد مرت عشرون دقيقة على نهاية اتصالى بأحمد الذى انتظرته بموجبه أمام الكافيه الذى احتفلنا فيه بعيد ميلادى الماضى .. نحب هذا المكان حقا .. قررت التراجع عن قرار انتظاره بالخارج حين تجاوزت سخافة تعليقات المارة الحد الذى يمكننى تحمله فمضيت الى الداخل ..
قابلنى النادل الذى نعرفة بابتسامة ود وسؤال ما عن أحوالى فأجبته دون وعى " مستنية حد لما يجى هنطلب سوا " فانصرف مغمغما بشىء لم أتبينه ، وتركنى أسترجع مشاهد الفيلم العربى الذى كنت بطلته منذ قليل ، وأتخيل الفيلم الآخر الذى سألعب بطولته بعد لحظات .. " ايه بس اللى أخرك يا أحمد؟ " قلتها وأنا أنظر فى ساعة يدى لأصعق بأنه لم تمر سوى خمس دقائق .. اللعنه.
كنت مشوشة للغاية .. تتضارب فى رأسى ألف ألف فكرة عما سيحدث الآن ، بالرغم من أننى كنت أتوقع ما حدث منذ زمن وأخطط له كاحتمال وارد .. إلا أن خططى اللولبية تلاشت تماما الآن " متوترة ليه مش ده اللى كنتى عايزاه؟ " قلتها لنفسى أيضا فلم ترد .
الموسيقى اللاتينية التى تتردد فى المكان زادت من توترى نوعا بالرغم من أننى فى العادة أحبها ، ولكن اليوم أبعد ما يكون عن العادى من نواح عدة .. هاهو أحمد أخيرا يبدو بالضبط كما توقعت .. جزعا متوترا متحفزا بعد مكالمتى الأخيرة التى لم أخبره فيها بالطبع عن طبيعة المشكلة .. يبدو مناسبا تماما للدور الذى سيلعبه بعد قليل .
- فى إيه إنتى كويسه ؟ حد من اهلك جراله حاجه ؟
- دانتا نبيه جدا .. يعنى أهلى هيجرالهم حاجة وأنا هقعد معاك فى كافيه؟
- بطلى تريقة وقولى فى إيه وقعتى قلبى ..
أخذت نفسا عميقا ودارت فى ذهنى جميع الأفلام العربى التى تحدثت عن الموضوع دفعه واحدة قبل أن أقول ببساطة :
- أنا سبت البيت .

السبت، 9 أكتوبر 2010

مع الوقت



صوت نورا جونز الرقيق يحلق فى جو الغرفة ذات الاضاءة الخافته المستمدة فقط من الشمعات الست الضخمة التى وزعت فى جوانب الغرفة وعلى المنضدة الصغيرة التى تتوسطها متماشية تماما مع نسمات بداية الخريف الرقيقة التى تداعب ستائر الغرفة المنسدله بحميمية تكاد تتبع وقع خطواتهما الراقصة بهدوء شديد وذراعه يحيط بخصرها برقة شديدة جدا .. يكاد معها يمسها بأطراف أصابعه فقط حين وضعت هى رأسها على كتفه فى استسلام مغمضة عينيها هامسة فى أذنه ببعض كلمات الأغنية التى جاء صوتها فى أذنه أرق بكثير من صوت المغنية الحالم..

Come away where they can't tempt us with their lies..

هكذا همست فابتسم ابتسامة لم ترها و إن أحستها من زفرته التى داعبت شعرها المنسدل على عنقها هادئا ككل شىء فى أمسيتهما ..
دقائق مرت لم يعنيا بحسابها مستغرقين تماما فى أحدهما الآخر حين عادت هى تهمس فى أذنه برقة

Come away and I'll never stop loving you

ضمها اليه أكثر واقترب من أذنها ليهمس بدوره " ولا أنا هبطل أحبك .. أبدا "
رفعت رأسها من فوق كتفه للمرة الأولى ناظرة فى عينيه مباشرة متأملة كيف يبدو انعكاسها فى عينيه جميلا كما يبدو كل شىء .. ابتسمت .. تذكرت كيف كانت تردد له أنها يوما ما ستهرب من كل شىء لتختبىء فى عينيه .. وكيف كان يجيبها بأنه لن يفتحهما اذن أبدا كى لا يراها سواه . . انتقلت بنظراتها الى شفتيه المنفرجتين عن ابتسامة رضا قبل أن تطبع عليهما قبلة طويلة .. ثم أعادت رأسها الى كتفه بذات الهدوء ..
سكتت الموسيقى للحظة ثم بدأ صوتها يرد مع الأغنيه الجديدة بإغراء حالم

Bésame, bésame mucho Como si fuera esta noche La última vez

اعتبرها هو دعوة مستترة فلباها مسرعا .. مقبلا شفتيها بارتباك المرة الأولى .. بشغف المرة الأخيرة .... بحرارة لقاء تأخر .. بعذوبة ما يشعره كلاهما بين ذراعى الآخر من أمان .. تسارعت قبلاته حتى خالفت ايقاع الأمسية الحالم فأمسكت رأسه بكلتا يديها وأبعدتها عن وجهها مسافة سمحت لأنفاسها أن تصل شفتيه بعد .. وابتسمت قبل أن تقول من بين قبلاتها التى تتبع ايقاع الأغنية الهادىء :
- بهدوء .. ببطء .. مع المزيكا ..
ثم عاودت تقبيله فى صمت بعد أن استسلم لها تماما ..
فى ركن الحجرة استقرت طاولة مستديرة تحت مفرش مخملى رقيق اعتلتها بعض أطباق الطعام .. وتوسطها شمعدان بثلاث شمعات وردية متباينه الطول .. توجها إليها حالما انتهت الأغنية الحالية لتبدأ أغنية جديدة .. أمسكت بيده تتلمس فى نبضاتها أضطرابا يتماشى مع رعشات عود الثلاثى جبران .. حتى اذا وصلا بخطواتهما المتباطئة كأنما فى موكب ما أجلسها على الكرسى المقابل له وجلس أمامها .. بدءا فى تناول طعامهما بالطريقة التى يفضلها .. فقطع طعامه قطعا مناسبة ووضعها على شفتيها فقط ليلتقطه هو من بينهما برفق .. وكررت هى معه ما فعله هو فظلا يأكلان زمنا ..
انتهيا من الطعام .. فقبل يديها و نهض ليغسل يديه فالتمعت عيناها ببريق من أعد مفاجأة وقالت :
- لحظه واحده خليك مكانك ..
همت بالمغادرة فأمسك بكفها مقطبا ، هامسا : متمشيش
أجابت باشفاق باسم : مش هتأخر ..
انسلت من كفه وغادرت للحظات وعادت بابريق زجاجى مزخرف برسوم رائعه .. ووعاء زجاجى عميق واسع مزخرف بذات الرسوم .. اشترياهما معا يوما .. وقد استقرت منشفه زاهية الألوان على كتفها ..
امتلأ الإبريق بماء يفوح منه عطر حالم .. حين استقر قالب من الصابون فى قاع الوعاء .. ساعدها فى وضع الوعاء على الطاولة والتمعت عيناه بفرح طفولى مادا يديه إليها لتغسلهما إصبعا إصبعا وعلى شفتيها ابتسامة رضا نجحت تماما فى اخفاء ما تشعر به من آلآم ظهرها التى تعاودها كلما أطالت الإنحاء .. وشعر هو بها دون أن تبدى شيئا فانتهى من يديه سريعا وجفف يديه وأبعد الابريق والوعاء وحملها بذراعيه اللذان مازال بهما – رغم كل شىء – قوة تسمح بحملها .. ووضعها على الفراش برفق مقبلا جبينها هامسا : تسلم ايديكى يا حبيبتى..
استقر بجوارها ضاما إياها اليه ممررا يديه بين خصلات شعرها البيضاء والتى اتفقا على تركها على حالها دون خضاب أو أصباغ .. متذكرا – على قدر ما أسعفته الذاكرة – سنواتهما التى يحتفلا اليوم بإتمامها ثلاثين .. مستشعرا أنفاسها الرقيقة على صدره حيث يختبىء رأسها .. حين رفعت إليه عينيها ببطء وهمست بخجل :
- عايزة أعترفلك بحاجة
ضمها إليه مبتسما قائلا بثقة : عارف .. مش انتى اللى طبختى
أجابت بخجل : والله مكنتش قادرة أطبخ خالص .. فكلمت مليكة تيجى تطبخ على ما أنا أوضب الحاجات دى فى الأوضة .. وطبعا اتريقت عليا زى السنه اللى فاتت وقعدت تقوللى كبرتوا عالكلام ده و بطلوا شقاوة بأه مانت عارف بنتك .
ضحك قائلا : قلتلك بلاش بناتك يعرفوا لحسن يحسدونا ..محدش غيرنا يا حبيبتى هيفهم اللى بينا .. وانتى مصرة ما بتسمعيش الكلام
دفنت وجهها فى صدره أكثر وأجابت : مانا عارفه انك مش بتحب غير أكلى .. وأكل مليكة هو أقرب حاجه ليا أعمل ايه بس؟
قبل جبينها وضمها أكثر فقالت : هو احنا بجد كبرنا عالحاجات دى ؟
فرفع وجهها إليه ناظرا فى عينيها مباشرة قبل أن يجيب : كبرنا يا حبيبتى .. بس أكيد مش قد ما حبنا كبر .. عشان حبنا مش ضد الوقت .. معاه.

الثلاثاء، 5 أكتوبر 2010

الرسالة الرابعة

هذه رسالتى الرابعة إليك .. لن تصلك كما لم تصلك سابقاتها .. ولكنها ربما تتسلل يوما إلى قلبك فتعاودك تلك الوخزة التى تشعر بها من آن لآخر .. فتتساءل فى نفسك عن حالى .. بالحديث عن هذا تعاودنى تلك الوخزة مرتين أو ثلاثة يوميا ولم أعد أتذمر .. فقط أفتقد مشاطرتها معك ..
فى الواقع لا أدرى لماذا اخترت هذه الرسالة باذات لانتهاك خصوصيتها .. فمحتواها لا يختلف عن أيا مما سبقها .. لعلى أردت التأكد أننى أكتب فعلا ولم أجن بعد، فكما تعلم الرسائل التى لا تصل لأصحابها أقصر الطرق لجنون كاتبيها ، ولعلها تلك الحالة .. ذلك الهاجس الذى ينتابنى من حين لآخر و يتردد فى رأسى ولا يخرج إلا بخروج الكلمات إلى النور .. بالرغم من أننى مازلت أتساءل .. أى نور هذا الذى لا تراه عيناك؟ ولكننى مازلت متمسكة بمبدأ أن الرثاء لنفسى لا يستوجب اغراقك فى المزيد من الهموم ، فأنا أعلم ما تشعر به وكفى .
حسنا لم أتغير كثيرا منذ ذلك الحين .. أصبحت أكثر قدرة على العد .. يوم .. اثنين .. ثلاثة .. أسبوع .. عشرة أيام ..عمر بأكمله ينقضى على صفحات مفكرة صغيرة أستخدمها لأذكر نفسى أننى مازلت حية كل صباح .. بعد أن اتسعت الفراغات بين أصابعى - تلك التى اعتادت أصابعك أن تملأها - فأصبحت أكثر قدرة على تسريب الأيام دون أن يعاودنى ذلك الألم الحاد الذى كان ينتابنى فى البداية ..
لم تتغير ملامحى كثيرا .. أتذكر تلك التجعيدة التى تعتلى زاوية فمى اليسرى عندما أضحك ؟ اختفت تماما !! ربما هى إحدى مزايا الوجوم التى بدأت اكتشافها بنفسى .. وربما أكتب عنها يوما فى احدى مواقع الجمال و المرأة .. نصيحة مجرب : ضحك أقل لشباب دائم .

أعلم أن الحياة ستتعامل معك باحترام ، لأنك تستحق ..
إعتن بنفسك .. أعلم أنك ستفعل

محبتى

الأحد، 3 أكتوبر 2010

سكر نبات

أول ما لفت انتباهى إليها كانت الخصلات البيضاء التى غزت شعرها الغجرى بالرغم من صغر سنها البادى على ملامحها التى كانت تفتقر الى الجمال نوعا .. كانت بادية القلق والارتباك وكأنها زيارتها الأولى لطبيب الأسنان .. أعلم أن الكثيرين يجدون الأمر مفزعا ويبدو عليهم القلق و التوتر فتتسارع كلماتهم و يشحب لونهم بمجرد جلوسهم على المقعد الجلدى المتحرك ، ولكنها بدأت فى أعراض التوتر المعروفه بمجرد دخولها عبر باب الحجرة .
كانت فى أواخر العشرين على أقصى تقدير .. ترتدى الجينز الأزرق الفاتح مع الأبيض و الأسود ذى الأكمام الطويله .. سمراء نحيلة تضع العوينات و تتحدث بعصبية .. ولاتكف عن العبث بأصابعها الخالية من أى أثر للارتباط ، وقد كانت واضحة منذ البداية :
- أنا بخاف جدا من دكاترة السنان و لولا ان ضرسى مش مخلينى أنام مكنتش جيت أبدا، فلو سمحت بالراحة خالص.
هكذا تحدثت الى الطبيب الذى أعمل أنا كمساعدة له والذى ابتسم بهدوء و أومأ أن " حاضر متقلقيش"..
كانت متعاونة بالقدر الذى سمحت به هيستيريتها، ففتحت فمها واحتملت بالكاد ألم إبرة التخدير .. طلب منها الطبيب المغادرة لدقائق ريثما يبدأ مفعول المخدر فغادرت على الفور.. وضغط هو زر الجرس ليطلب المريض التالى ناظرا إليها بإشفاق- تلك المسكينه.
انتهى الآن مما يفعله وضغط الزر مرة أخرى لتدخل ، وعندما لم يدخل أحد طلب منى أن أتفقد ما يحدث بالخارج ، فقط لأفتح الباب وأجدها بصحبة مريضة أخرى تقبض الفتاة على ذراعها بإحكام .. حيت المريضة الأخرى الطبيب بحميمية تدل على معرفة شخصية ، وبادلها التحية بما يؤكد هذا قبل أن تقول باسمة :
- أنا لقيتها خايفة و عايزة تمشى قلت أدخل معاها وهى بتخلع لو مفيش مشكلة..
باسغراب أخبرتها ألا مشكله هناك فدخلت الاثنتان ، تمددت الفتاه العصبية على الكرسى دون أن تفلت ذراع مرافقتها التى تعرفت عليها منذ دقائق ، حين بدأت أنا فى إعداد ما سيحتاجه الأمر من أدوات.
- بالراحة لو سمحت .. بالراحة
قالتها بعصبيتها الزائدة فابتسم الطبيب مطمئنا أن " مش عايزك تقلقى خالص ان شاء الله مش هتحسى بحاجة ، ولو حسيتى قوليلى وأنا أديكى بنج تانى ."
كنا نعلم أن هيستيريتها ستزيد من سوء الأمور ، ولكن لابد مما ليس منه بد.
بالطبع لم تكن أسهل الحالات التى يمكنك التعامل معها ، ليس طبيا و إنما إنسانيا .. خصوصا عندما بدأت فى البكاء و الضغط على رأسها بيديها مرددة " صداااااااااااااع " .. حتى انها نجحت فى إرباكى انا شخصيا حين بدأت فى ضرب ذراع الكرسى بيدها مرددة "كفاية" .. كانت لحظات ثقيله بالفعل .
بمعجزة ما أنهى الرجل ما بدأه وأعطاها تعليمات ما بعد الخلع ، وانصرفت شاكرة ، وبقيت الأخرى تحكى كيف وجدت الفتاة فى قاعه الانتظار بالخارج تحكى على الملأ أنها متوترة جدا ، ثم تتطرق إلى حياتها الشخصية فتخبر الجميع دون سابق معرفة كيف تعانى من حالة نفسية وتقصد طبيب نفسى للعلاج ، وتعيش مع أخيها وزوجته التى تكرهها ، ولا تجد ما تفعله بلا زوج أو عمل ، والكثير مما لا يقال فى العادة فى قاعة انتظار طبيب .
- أنا لقيتها قاعدة تتكلم والناس بتتفرج عليها ويبصولها بصات مش قد كده فقعدت أتكلم معاها ووعدتها إنى أدخل معاها وهى بتخلع بشرط إنها متتكلمش عن نفسها كده تانى عالملأ .. انت عارف الناس بيبصوا للى بيتعالج نفسيا إزاى مع إن كلنا مرضى بدرجات متفاوته ..
قالتها المرأة وهى تتمدد بهدوء على الكرسى المتحرك
- مسكينه .. كان باين عليها من أول ما دخلت إن فيها حاجة غلط
قالها الطبيب بلا مبالاه ..
- الحمد لله إنها جت على قد كده
قالتها قبل أن يبدأ الطبيب فيما هو بصدده .. بدأت ألاحظها ..
كانت فى أواخر الثلاثينات متوسطة الجمال ولكن اهتمامها بمظهرها بادى على ملابسها وحذائها و غطاء رأسها الأنيق ، وزينتها الهادئة التى تدل على بساطة ورقى فى نفس الوقت .. كان يناديها باسم تدليل بما يوحى بمعرفة وثيقة وكانت تتحدث بعفوية تؤكد هذا.. زميلته فى عمله بالفتره الصباحية كما اتضح لى من حوارهما ، تكبره بما لا يقل عن عشر سنوات تسمح لهما بهذا المزاح اللطيف دون أن يشعر أيا منهما بالحرج .
انتهى منها وثرثرا قليلا .. أشركتنى هى فى الحديث بعد أن تعرفنا كما ينبغى .. اندمجت معهما تماما وتحدثنا كأصدقاء .. ودودة جدا هى و على قدر كبير من الثقة بنفسها..
- عايزة صور خطوبتك بأه بقالك قد ايه واعدنى تجيبهوملى؟
قالتها مداعبه حين ضرب هو جبهته بيده مشيرا الى نسيانه التام
- معلش والله بنسى .. هجيبهوملك بكره ان شاء الله
- أما نشوف .. على الله بس ألحق أشوفهم قبل الفرح
قالتها ضاحكة وهى تتوجه نحو الباب مغادرة .. فضحك ثلاثتنا وودعتنا منصرفة .. أغلقت أنا الباب والتفت إليه
- لطيفه أوى مدام هند .. حبيتها
اندهش وأجاب مسرعا :
- مدام ايه دى مش متجوزة .. إوعى تكونى غلطتى و قلتيلها يا مدام لحسن أنا عملتها مرة فى أول معرفتى بيها و لقيتها أحرجت جدا ..
- معقول؟
أومأ مؤكدا فى أسف .. بذهول رحت أحاول تذكر أى قيود ذهبية فى أصابعها فلم أستطيع .. سرحت قليلا أقارن فى ذهنى بينها وبين المريضه الهيستيرية التى رافقتها ، وأسترجع تحديدا صورة الفتاة و هى تقبض على ذراعها عندما دخلت للمرة الثانية .. ولسبب ما تذكرت أغنية بعينها لمحمد منير .. وخطر لى أننى إذا فتشت فى جيوب أيا من الفتاتين .. فسأجد الكثير من سكر النبات ...