الأحد، 3 أبريل 2011

عن البدايات الجديدة وأشياء أخرى ..


البدايات رائعة دوما .. البدايات الجديدة .. وتلك الرغبة الغامضة فى بداية كل طريق والتى تدفعك لا شعوريا لاكتشاف المزيد منه ..
لا أؤمن بالنهايات السعيده .. ليس على سبيل الواقعية أو التشاؤم ، بل لعلها رومانسية مفرطه .. فالأمور كما أراها كالتالى :" الأشياء السعيدة لا تنتهى .. لا يجب أن تنتهى .. لا يجب أن ندعها تفعل .. وعلى هذا فمسببات السعاده فى حياتنا قد تتقلب فى حدة تأثيرها علينا ، ولكنها قطعا لا تذهب الا اذا سمحنا لها بأن تفعل ، ليبقى الموت الاستثناء الوحيد لتلك القاعدة " ..
************
فى بداية علاقتنا كنت أشعر أن فى الأمر مزحة ما .. البدايات رائعة ولكن ليس إلى هذا الحد .. لم أختبر بداية رائعة كبدايتنا منذ ولدت .. أحيانا كنت أتسلل الى هاتفى وأقرأ رسائلنا النصية القصيرة فقط لأتأكد من أنك (حقيقى) فعلا .. وأسائل نفسى هل يرى مرضى الهلاوس رسائل نصية رقيقة من شخصياتهم الخيالية أيضا؟
************
فى مرحلة ما بدأت أشعر أن وجودى أصبح بطريقة ما مقترنا بوجودك .. فاذا ذهبت من حياتى انتهيت .. أخبرتك كثيرا اننى اذا انتهت علاقتنا لن أموت - لأنى للأسف أقوى من ذلك - ولكننى فقط سأجن .. وأمضى بقية حياتى فى مصح عقلى، أما الاحتمال الأسوأ هو أن أبقى على حياتى و سلامتى العقلية ، وحينها لن أمضى يوما آخر فى هذا البلد .. سأهاجر الى شوارع لم ترنا معا وأصدقاء جدد لم يروا فى عينىً ذلك البريق الذى يظهر كلما تحدثت عنك .. كنت تخبرنى فيما توهمته أنت وقتها صراحة لابد منها أن حياتك لن تنتهى اذا انتهينا ، جرحتنى كلمتك جرحا لم يشفى إلا الآن .. و لم أخبرك بالطبع ..
************
عندما وصلت العلاقة الى طريق مسدود صار معه الانفصال واجبا ، تعجبت كثيرا من قدرتى على اتخاذ قرار كنت أعلم جيدا أن فيه هلاكى ، وتعجبت من ثباتى وأنا أتمنى لك - صادقة - التوفيق ، وأن تجد من تحبها مثلما أحببتك أنا، ربما تعرف حينها ما عليك فعله للحفاظ عليها..
تعجبت من قدرتى على تحليل الأمور .. أنا أحببت رجلا وتركت رجلا آخر وبالتالى لم أخسر شيئا - هكذا قلت لنفسى ، فقط فقدت الشخص الذى أحببته فى ظروف غامضة ، فى مرحلة ما لا أعرفها - أو لعلى أفعل - من ذلك الطريق الذى بدا مغريا جدا للمتابعة فى بدايته ..
***********
لم أمس أيا من أشيائنا الصغيرة ، الورود المجففة والدمى و الصور و البطاقات الصغيرة وأغلفة الشيكولاته والحلوى التى كنت تمطرنى بها - كطفلة مدللة - كلما رأيتنى ، بل دعنى أخبرك أننى فى ليلتى الأولى ارتديت ذلك الخف البنى اللطيف الذى اهديتنى اياه فى بداية كل شىء ، لأنك كنت تعلم أن برودة قدمى تجعلنى لا أنام شتاءا تقريبا .. واحتضنت الدمى ونمت ..
فى الصباح التالى غيرت أسمك على الهاتف من " الحلا " الى اسمك الحقيقى .. لم أقترب من الرسائل النصية القصيرة التى كنت - فى حياة أخرى كما بدا لى حينها - أتفقدها فقط لأتأكد أنك حقيقى ، أو أن حالتى - ان كانت هلاوس - أسوأ من أن تشفى وفى كلتا الحالتين لن أخسرك ..
**********
عندما قررنا أن نبدأ من جديد لأن مسببات السعادة - كما أصبحت تؤمن الآن - لا تنتهى الا اذا سمحنا لها بأن تفعل ، اكتشفت أننى أقوى مما أظن ، وأنك تحبنى أكثر مما كنت أظن أنك تفعل .. وأننا نعهد للمرة الثانية بداية جديدة ، ربما ليست بروعة الأولى ، لا وليست على ذات القدر من الشغف ، ولكنها بكل المقاييس الأكثر اغراء بالمتابعه حتى النهاية .. على الإطلاق ...

الثلاثاء، 15 مارس 2011



على وردة يابسه أعاد لها قلبها وقال: يكلفني الحبّ ما لا أحبّ يكلفني حبّها

ونام القمر على خاتم ينكسر وطار الحمام

على دمعةٍ يائسه أعادت له قلبه وقالت

يكلفني الحبّ ما لا أحبّ يكلفني حبّه ونام القمر على خاتم ينكسر

وطار الحمام

وحطّ على الجسر والعاشقين الظلام

يطير الحمام يطير الحمام
*****************
*
*
*
اذا هلأ حبك غير ريته عمره ما يكون ..


درويش - فيروز

السبت، 12 مارس 2011

المشكله


معقول فى أكتر؟
أنا ما عندى أكتر

فيروز - عندى ثقة فيك

*************
*
*
*
ربما كانت المشكله فى أننى دوما .. كان عندى أكتر .. أكتر مما يجب.

الأربعاء، 9 مارس 2011

بلاد النرجس - عن اللى مجابتهمش ولادة ..

الفارق بين النرجس وعباد الشمس

هو الفارق بين وجهتى نظر

الأول ينظر الى صورته فى الماء ويقول

لا أنا إلا أنا

والثانى ينظر الى الشمس ويقول

ما أنا إلا ما أعبد

وفى الليل

يضيق الفارق ويتسع التأويل ..



بتطبيق تصنيف الرائع محمود درويش على نوعيات المسؤولين فى مصر حاليا سنجد أن أغلبهم يقع فى فئة النرجس ، يسيطر عليهم - بل وعلينا فى بعض الأوقات - مفهوم " المسؤول اللى مجابتهوش ولادة " .. بمعنى ،

أن يتوهم المسؤول - إلى الدرجه التى قد ينجح معها فى اقناع من هو مسؤول عنهم - أنه لم يخلق بعد من يصلح لتأدية وظيفته سواه ، لا أنا إلا أنا .. وللعجب يزداد تمسك المسؤولين بتلك الطريقة العقيمة فى التفكير فى ذات اللحظة التى ترتفع فيها الأصوات مطالبة بتنحيتهم أو إقالتهم لعجزهم عن تحقيق مهام مسؤوليتهم ..

رأينا هذا من قبل فى تنحى الرئيس السابق ، وعانيناه مجددا مع استقاله رئيس الوزراء الأضحوكة ، الرجل الذى ألقبه شخصيا ب "الرجل الذى لم يعرف" .. لم يعرف أى شىء عما يدور من حوله ولم يحاول أن يفعل ، وأرجعنا السبب إلى " السلطة " التى تغيير النفوس وحالات جنون العظمه التى عانى منها الرجلين بدرجات متفاوته ، ولكن الاصطدام بنفس طريقة التفكير مع عميد الكلية اليوم كان محبطا بحق..

يا أخى هذه الطريقة فى التفكير انتهت وبادت ولم تنقذ من كان رئيسا للجمهورية لما يزيد عن ثلاثين عاما ومن كان رئيسا للوزراء بعد تاريخ مريب من الصداقه الشخصية مع الرئيس السابق ، فلم تصر على انتهاجها اليوم؟

كلمة العميد اليوم عن أنه "يجب أن يبقى ليشرف بنفسه على تحقيق مطالبنا" ، وأن " القانون" و "اللايحه" لا يسمحا ، و"رئيس الجامعه " لن يقبل - متجاهلا ان رئيس الجامعه نفسه على المحك اليوم نظرا لعجزه هو الاخر عن تأدية المطلوب منه - مع الكثير من الوعود عن الاصلاح الذى لو كانت هناك نية لوضعه موضع التنفيذ لكنا نجنى ثمارها الآن .. ذكرتنى كثيرا بخطابات الرئيس السابق قبل تنحيه حتى توقعنا أن يحكى لنا عما قام به فى حرب أكتوبر ، ربما شارك بدوره فى الضربه الجوية مما يجعله الاختيار الأمثل للعمادة !!

أنت يا سيدى لا تعرف عم تتحدث ، وكذلك الوكلاء ، فوكيل الكلية لشؤون طلاب امتياز لا يعلم عدد الطلاب الوافدين !! ولم يكن يعلم أسعار التركيبات فى معامل الكلية !! ، ولم يكن يعلم أن معمل الكلية المدعم "مغلق بالفعل " !! يا أخى ان كنت لا تعلم فكيف تطالب بالاستمرار فى منصبك ؟ لم يعد عذر " ايه ده!! انا مكنتش أعرف " مقبولا .. ولم يعد عذر " طب وأنا فى ايدى ايه أعمله " مقبولا أيضا، اذا كنت لا تعلم شيئا عما يحيط بك أو كيفية اصلاحه فلترحل مشكورا ولتترك مكانك لمن هو أفضل .. لأن - خمن ماذا؟ - هناك من هم أفضل بالفعل ولست وحيد عصرك وأوانك ..

ليس من المفترض بنا - كطلاب أو أطباء امتياز - البحث عن حلول لزيادة موارد الكلية ومع ذلك فقد فعلنا واقترحنا حلولا مناسبه ودون اللجوء لأيا من وزارتى الصحة أو التعليم العالى ، ودون "التسول" من ادارة الجامعه ، فكان رد الرجل "هنبقى ندرس الكلام ده " !!!

طب مثل انك جد شوية .. انك ناوى تعمل حاجه مفيدة .. أى حاجة يا جدع مش كده !!

لن نستطيع العمل فى ظل ادارة لا تعرف ما عليها فعله ، ولا تستطيع تنفيذ ما نقترحه لمجرد انه صادر منا .. إن العميد بالأمس كان يستنكر مشاركه الطلاب فى اختيار العميد ، معللا قوله بأننا "مجرد طلاب ، ونتغير من عام لآخر " ،وأن " العميد لا يتعامل مع طلاب فحسب ، بل مع أساتذه وموظفين " ، يا سيدى الفاضل الطالب اللى مش عاجبك ده هو اللى الكلية اتعملت عشانه أصلا ، وانت و الأساتذه والموظفين موجودين هنا عشان تخدموه ، وبالتالى هو أحق واحد بالاختيار ، كما أن الطالب اللى مش عاجبكو ده معاه بطاقه بينزل ينتخب بيها رئيس جمهورية ، مش هيعرف ينتخب عميد؟ !!


نحن بحاجه ماسه الى المزيد من عباد الشمس بتصنيف درويش ، أولئك الذين ينظرون للمنظومة الكبرى التى نحن جميعا جزء منها

- الوطن - كما ينظر عباد الشمس الى الشمس ، ما أنا إلا ما أعبد ، وخصوصا فى وضعنا الحالى ، حيث يضيق الفارق ويتسع التأويل..


الكلية المعنية هى كلية طب الأسنان بجامعة عين شمس.

الثلاثاء، 26 أكتوبر 2010

تنذكر ما تنعاد

كانت خطواتها واثقة خفيفة كمن يحب لأول مرة ، أو كأنها تخطو فوق سحابة وردية من غزل البنات وضحكتها صافيه جدا و كأنما عاد بها الزمن خمسة و عشرين عاما للوراء ، وكأنما تتعرف للمرة الأولى على لذة أن تتخذ قرارا وتنفذه فى الوقت الذى تحدده هى ، كنت أعرف هذا الشعور فتركتها تستمتع به لأقصى مدى ..
- عايزين نشرب حاجة احتفالا بالمناسبة السعيدة دى
- حاجة ايه؟
- قصب طبعا .. مشروب السعادة .. ولا انتى شايفة ايه؟
- وهو كذلك ..
توقفنا عند أقرب بائع عصير فى الميدان الواسع وشربنا معا نخب طلاقها بعد خمسة وعشرين عاما من المعاناة ..
- فلتحيا الحرية
قلتها ضاحكة فأومأت مواقفة قبل أن تشرب ما تبقى فى كوبها دفعة واحدة ..
عندما ركبت القطار هذا الصباح لزيارتها بهدف تهدئة الأمور بينها وبين زوجها لم أكن على أدنى علم بما كانت هذه المسكينة تعانيه طوال هذه المدة .. وكنت أحلم بأن أنجح فى إعادة الأمور لسابق عهدها الذى كنت أظن أنا فيه استقرارا عائليا .. ليس لها وله فقط ، ولكن للأولاد قبل أى شىء .. بالرغم من الانقباض الذى لازمنى منذ ان استيقظت من حلم سخيف وجدتنى فيه فى منزلها وجدارا ما يتهدم بسبب تسرب الماء إليه من السقف .. من وقتها وأنا أشعر ان مكروها سيقع .. وأن الأمور ستسير فى عكس الاتجاه الذى أريده لها ..
انتهينا من القصب و توجهنا إلى محطة الترام أو كما تسميه " الزقزوقة " .. وجلسنا بانتظار الترام الذى سنستقله إلى رمسيس .. حيث محطة القطار الذى سيحملنى الى منزلى يلازمنى وإلى الأبد إتهاما مِن زوجى وأبنائى وكل مَن لم يحضر طلاقهما بأننى " جيت أكحلها عميتها " ...
- أهه المترو جه
- لأ ده اللى جاى من رمسيس ، بتاعنا ماشى كده
أشارت بيدها إلى الاتجاه الصحيح ، مما أشعرنى بالخجل من جهلى الدائم بالطرق والمواصلات بالرغم من تعدد زياراتى لها بالقاهرة ..
كنت أعلم أن زوجها ليس بريئا كما يدعى ، فأنا أعلم طباع أختى تمام العلم ، كانت أكثرنا حنانا ورومانسية إلى حد السذاجة ، وكانت قدرتها على التسامح تدهش الجميع .. لابد أنه أخطأ وبشدة كى تتحول إلى هذه المرأة القاسية التى فاجأنى بها اليوم حتى وددت أن أصرخ فى وجهه " انت ازاى خليتها بقت كده ؟ " ...
- أهه المترو جه اهه
قالتها فقفزنا إليه ووجدنا مكاننا بسهولة ، ربما لأن الساعة تجاوزت العاشرة مساءا فليس الإقبال عليه فى أوجه .. بجوار النافذه جلست هى وفى مواجهتها جلست أتأملها .. كانت تبدو مشرقة كيوم أخبرتنى عنه للمرة الأولى .. دعك من آثار الزمن التى بالكاد تبدو على وجهها الطفولى رغم كل شىء .. بدت حيوية وعاد بريق عينيها شديدا كما فى ذلك اليوم ، عندما سألتها عنه فأجابت وهى تكاد تطير :
- عارفة كل حاجة حلمت بيها فى يوم من الأيام ؟ هو ده ..
رباه .. لماذا إذن انتهى الأمر بهذه الطريقة المأساوية ؟ وكيف ظلت هى خمسة وعشرون عاما تخفى عنى و عن الجميع حقيقته التى اكتشفتها بعد زواجها منه بأيام ؟
تكرر مشهد طلاقها فى ذهنى وتذكرت كيف ظلت حتى اللحظة الأخيرة محتفظة بهدوئها وثبات أعصابها ...
- انتى عايزة ايه دلوقتى؟
- عايزة اتطلق .. طلقنى ..
ظلل يكرر سؤاله وظلت هى تكرر جوابها بذات البرود ، وكدت أنا أفقد الوعى عندما قال لها بغضب " انتى طالقه "..
حينها انفجرت تسرد تفاصيل زواجها التعس الذى أخفته منذ زمن ، تاريخ مقزز من سوء المعاملة و الإهانه التى وصلت كثيرا الى حد الضرب ، الكثير من السباب و التجريح ، الكثير من الشك وعدم الثقة ، الكثير من الخيانة التى لم تستطيع المسكينة تحملها أكثر من ذلك .. والتى كانت السبب فى نهاية الموضوع .. أخبرته بسخرية أنها أتمت الأشغال الشاقه المؤبدة التى كتبت عليها منذ تزوجته حتى آخر المدة .. وآن لها أن تحظى بحريتها الآن .. وواجه هو الأمر بالكثير من الصمت ..
كانت تعبث بأصابعها فى دبلتها الذهبية فسألتها عما تنوى فعله بشأنها فقالت أنها ستحتفظ بها فى إصبعها رغم كل شىء .. ليس تمسكا منها به وإنما كى لا يثير الأمر الكثير من التساؤلات ، فلم تكن تنوى إذاعة الخبر ، خصوصا وأن أيا منهما لن يغادر المنزل ..
- اللى يريحك يا حبيبتى
- مش فكرة اللى يريحنى انا مش قادرة أقولك الدبلة دى حاليا خانقانى قد ايه ، بس الفكرة انى مش ناوية أقول لحد فى الشغل ولا فى صحابى .. مش عايزة جو مصمصة الشفايف والطبطبة و " اخص عليه الخاين " .. خلينا كده أريح .. واذا كنت استحملته هو شخصيا خمسة و عشرين سنه ممكن أستحمل دبلته كام سنه كمان لحد ما ييجى قضا ربنا ..
- بعد الشر عليكى يا حبيبتى ربنا يديكى طول العمر
ابتسمت .. كانت تسوية بقاء الاثنين فى المزل مع استقلالها بملابسها وفراشها فى حجرة أخرى هى آخر ما توصلنا إليه من أجل الأولاد .. وكانوا - الأولاد - على الرغم من صغر سنهم نسبيا متفهمين تماما لحقيقة الوضع الجديد ، وعلى ثقة تامة أنهما اتخذا القرار الصحيح أخيرا ..
- هو البتاع ده بيقف كل كام متر كده ليه؟ كده ممكن منلحقش القطر
- متخافيش احنا نازلين بدرى عن معادنا بساعة مخصوص عشان نركب الزقزوقة .. كنت محتاجه شوية الفرجه دول أوى دلوقت ..
ابتسمت .. مازالت - بعيدا عن كل شىء - محتفظة برومانسيتها وقدرتها على أن تجد الجمال فى كل ما يحيط بها .. كيف استطاع ان يجرحها ؟ كيف استطاع أن يهينها ؟ وما الذى لم يجده فيها ليبحث عنه لدى سواها ؟ بل كيف استطاعت هى التعلل بالأطفال للاحتفاظ بزواجها منه بعد كل هذا ؟ كاد عقلى ينفجر بينما بدت هى راضية هادئة مستمتعة بالوضع الجديد ..
أخذنا الحديث عن تفاصيل ما حدث وتناقشنا فيها ثانية .. كيف بدا هو مذهولا بعد ما حدث وحاول التحدث معى بعدها عن ردها وما إلى هذا .. وكيف رفضت هى ومازالت ترفض مجرد الحديث عن الأمر كخيار قائم رفضا باتا .. من أين لك كل هذا التحدى يا صغيرتى ؟ ومن أين لك كل هذا العناد ؟
كنا قد وصلنا إلى رمسيس أخيرا .. القطار وصل وباقى على موعد قيامه ما يقارب نصف الساعة .. ليس من المنطقى أن تنتظر معى كل هذا لذا وبمجرد أن استقريت فى مقعدى طلبت منها المغادرة حتى لا يتأخر بها الوقت عن هذا .. ولم أسمح لها بالرفض هذه المرة ..
- مع السلامة يالا و خلى بالك من نفسك ومن عيالك ، ومتحتكيش بيه خالص انتى فى حالك وهو فى حاله
- من غير ما تقولى احنا كان بقالنا شهرين منفصلين ومبنكلمش بعض من غير طلاق .. فاللى حصل النهاردة كان مجرد رسميات مش هتغير حاجه .. انا بطلت اعتبره جوزى من زمان ..
أطرقت مشفقة .. ولكننى كنت أعلم انها لن تتحمل نظرات الرثاء فتجنبتها ..
- حلو أوى .. ارمى كل اللى فات ده ورا ضهرك وانسيه.. وخلصى عدتك يالا عشان نجوزك تانى بسرعه .. عايزين نسترك
قلتها ضاحكة فانفجرت بالضحك .. مرددة أنها لا تطيق النظر إلى أى شىء مذكر بعد الآن ...
- بيتى مفتوحلك فى أى وقت لو عايزة تسيبيه .. متفكريش
قلتها بالجدية المناسبة وكنت أعنيها .. أومأت شاكرة دون كلام .. واحتضنتها طويلا قبل أن تغادر القطار .. وعندما رأيتها تمر بجوار نافذتى لوحت لها فلوحت ومضت .. بخطواتها الواثقة الخفيفة ، وكأنها تخطو فوق سحابة وردية من غزل البنات ..

الخميس، 21 أكتوبر 2010

الجزء الأخير - بيذكر بالخريف

إهداء : إلى حبيبى ، فيروز وزياد

لا يعلم الطفلين سبب إصرارنا على الإحتفال ببداية الخريف كل عام وكأنها مناسبة خاصة .. فالفصول تتابع طوال العام و كل عام ولكن لا يزال الخريف هو فصلنا الخاص .. فصلنا المفضل .. وبداية الخريف تحديدا تعنى لى وله الكثير مما لا يعرفه الأولاد ..
كنا قد عدنا للتو من سهرة بداية الخريف المعتادة .. الآولاد فى السرير منذ ساعات .. وقد حرصنا على ابقائهم كذلك .. بدلنا ملابسنا و نحن نكتم ضحكاتنا .. يصر أحمد على ان نزور كل الأماكن التى شهدت على ما حدث منذ عشرة أعوام .. ويولد الأمر نفس حالة الضحك الهيستيرى كل عام .. نفس الكافيه حيث بدأ كل شىء .. نفس المكان على الكورنيش .. الشقة التى اعتادت رنا و سلمى الإقامة فيها .. أتظاهر كل عام أننى لم أسامحه على ما فعله بعد .. وتنطلى حيلتى عليه فيأخذه الاعتذار ..
- مش مسامحاك وهفضل طول عمرى مش مسامحاك .. أنا كانت هتجيلى سكته قلبية لما ملقيتكش انت ولا العربية
- يعنى تفتكرى بعد كل ده كنت هسيبك ؟ دانتى نبيهه جدا
- انت بالذات متتكلمش عن النباهة .. قال كنت بركن قال
- طب والله خفت أبوكى يعمل حاجة فى العربية وهو نازل مش عارف ليه ، قلت أركنها بعيد أضمن
ونضحك مرة أخرى .. نتذكر ضاحكين دخوله شاهرا عقد الزواج العرفى - الذى كنا كتبناه منذ لحظات حتى خشينا أن يفضحنا الحبر - فى وجه أبى طالبا منه أن " شيل إيدك من على مراتى" .. كيف ظن أبى أنه فقدنى للأبد وكاد يموت قهرا ..
كيف ظل أحمد ولمدة أسبوع يحاول مقابلة والدى حتى قابله أخيرا و شرح له - بمعجزة ما - حقيقة الأمر قائلا - كما علمت فيما بعد - " ما حضرتك عارف مريم .. مجنونة و كان لازم اطاوعها عشان متفتكرش إنى بتخلى عنها و عشان أقدر أبقى جمبها وآخد بالى منها " ..
- أنا مجنونة أنا ؟
أحاطنى بذراعيه وهمس " انتى شايفه إيه؟ "
انسللت من ذراعيه ضاحكة وأنا أتذكر كيف وافق أبى بشق الأنفس على خطبتنا .. بعد أن حطمت لعبتنا الصغيرة أعصابه ، وبعد ان سمحت له الظروف بالتعرف إلى حقيقة أحمد ، وشخصيته التى ما كان ليجد أفضل منها زوجا لابنته .. وكيف وافق والداه على اتمام زفافنا فى أسرع وقت بعد أن عدت إلى المنزل ، إذ لم يعد هناك مبررا لبقائى لدى رنا وسلمى بعد أن فزت بعملى وحبيبى .. لم تسامحنى أمى إلا يوم زفافى .. بكت يومها كثيرا ، وبكت رنا وسلمى كما لم تبكيا من قبل ،وبكت أم أحمد ، وبكيت أنا بالطبع .. كان يوما حافلا بالبكاء كما ترى ..
لم يسامحنى أبى إلا يوم ولادة ياسين رغم علاقته الجيدة بأحمد طوال هذه المدة ، أخبرنى يومها أننى الآن فقط سأعرف شعوره تجاهى وقتها ، الشىء الذى اعتبره تعويضا مناسبا .. والذى أدركت صحته تماما فيما بعد ، وازددت يقينا منه مع ولادة مريم الصغيرة ..
تخلصت من عقدتى مع الكنارى بأن وعدنى أحمد أن نجعل لها غرفة خاصة فى منزلنا الجديد الذى ننوى الانتقال إليه قريبا ، كى لا تعيش سجينه قفص ما ولا تتخبط بأجنحتها الضعيفة بره الشبابيك ..
كانت حياتى مع أحمد و مازالت رائعة كما علمت أنها ستكون .. مررنا بالكثير معا وكثيرا ما اختلفنا ، ولكن احترامنا لطباع أحدنا الآخر كان سر سعادتنا ، ولم يخذل أيا منا الآخر أبدا .. كان يجيد احتوائى ويشعرنى بالثقة ، يحمينى من تهورى دون أن يحجر على أفكارى .. يحترم رغبتى فى الخروج أحيانا عن المألوف وإن لم يحققها طوال الوقت .. يحبنى بطريقتى .. ومازلنا حتى اليوم نحتفل سرا بذكرى زواجنا العرفى المزعوم ، مع بداية كل خريف ..

الجزء التاسع - عندى ثقة فيك

عندما كلمتنى رنا منذ ساعة كان صوتها موحيا بأنها على وشك الإصابة بذبحة صدرية .. كان احمد معى فطلب التحدث إليها ونجح فى طمأنتها بعد أن أصبحت طمأنة الفتيات المذعورات هوايته المفضله ..

- احنا ساعة وهنكون عندك يا رنا .. متقوليلهومش انك كلمتينا

- دانا قايلالهم هخش أكلمك

- قولى الموبايل مقفول .. دانتى نبيهه جدا واحنا هنقفله عشان لو طلبوا تانى .. تمام؟

- متتاخروش

أغلقت هاتفى وبقيت أنظر إليه بقلق .. ليس أننى لم أتوقع - للحظة - أن يحدث هذا عاجلا أو آجلا .. ولكن حدوثه حقا والآن بالذات يبدو مفزعا ..

- انتى قلقانه ليه دلوقتى ؟ ماحنا كنا عارفين ان ده هيحصل

- مكنتش عايزة الأمور تمشى كده

- معلش .. هتعدى على خير .. المهم مش عايزين عك ..التماسك .. الهدوء .. البرود .. عدى من واحد لخمسة قبل ما تتكلمى

بالرغم منى ضحكت وأنا أتصور نفسى فى وسط شجار عنيف أعد من واحد لخمسة قبل كل كلمة .. ابتسم لى وضغط كفى مطمئنا

- بحبك .. فاهمة؟

- فاهمة

إلى منزل رنا توجهنا فى سيارته و تحت البناية توقف و طلب منى الصعود بمفردى كما اتفقنا ..

- لو الأمور اتأزمت بصيلى من الشباك .. ومتخافيش .. أنا جوزك .. تمام؟

فى المصعد اخذت أستعيد ذكرى الشجار الذى تسبب فى كل هذا من البداية ..

- وانتى بتدورى على شغل ليه ان شاء الله ؟ ناقصك ايه؟

- ناقصنى انى أشتغل وأبقى بنى آدمة .. أنا مش طموحى إنى أقعد فى البيت

- طموحك إنك تشتغلى فى شركة تردى على تليفونات .. بعد تعب خمس سنين فى الكلية

- والله الخمس سنين دول أنا اللى تعبت فيهم مش أى حد تانى وانا حرة فى مجهودى .. وأكيد قعادى فى البيت تضييع أكتر للمجهود ده

- ليه انتى مش ناوية تحضرى دراسات ؟

- مش دلوقتى و مش على حسابك

- ليه ان شاء الله؟ مانتى دراستك كلها كانت على حسابى ، ولا نسيتى؟

- لأ منسيتش وعشان كده بقول كتر ألف خيرك لغاية هنا .. وأفتكر ان انت مفوتش يوم من غير ما تفكرنى انك بتصرف عليا وكانك بتعمل فيا جميل مش ده الطبيعى اللى كل أب بيعمله مع ولاده

- احترمى نفسك واتكلمى بأدب

- أنا آسفة بس موضوع الشغل ده نهائى بالنسبالى

- طب مفيش شغل .. وأنا عارف انك عايزة تشتغلى عشان تتجوزى البيه اللى انتى ملمومة عليه عشان عارفة انى مش هصرف مليم واحد فى جوازك منه .. بس يكون فى علمك مش هجوزهولك طول مانا عايش ..

- وايه علاقة أحمد بالموضوع دلوقتى؟

- هى كلمة واحدة .. وده بيتى ..عاجبك تعيشى معايا على كده أهلا وسهلا مش عاجبك امشى

هكذا بدأ كل شىء ..

كان المصعد قد توقف منذ زمن .. أدرت المفتاح فى الباب ودخلت ... وتتابعت الأحداث حتى وصل الأمر إلى الفيلم العربى سالف الذكر ..

نهضت باتجاه النافذه ببرود شديد .. لم أجد أحمد ولا السيارة !! كدت أفقد الوعى ولكننى تماسكت ..
أنا بحبك .. فاهمة؟
أنا بحبك .. فاهمة؟
ترددت كلماته الأخيرة فى عقلى كمزحة قاسية .. هل هذا ممكن؟
لابد أنه فى مكان ما يركن السيارة و سيعود .. كان هذا آخر ما أحتاجه الآن .. أن أضطر إلى إثبات حبه لنفسى قبل أن أثبته لوالدى .. وماذا عما اتفقنا عليه ؟ يا الله هل يمكن أن يتخلى عنى هكذا و الآن و بعد ما حدث ؟
كفى غباء .. لا وقت للهلع الآن ، أحمد يحبنى وأنا أعلم هذا ولابد أنه خلف باب الشقة فى هذه اللحظة بالذات ..
استدرت وبهدوء قلت :
- تفتكر إنا كده هخاف وأقولك يالا بينا عالبيت ؟ وبعدين أنا مقدرش أتحرك من هنا إلا بإذن جوزى ..

كانت الصدمة على ملامحه تعويضا مناسبا عن صفعته .. منعه اندهاشه من النطق لحظيا فأجابت عن السؤال الذى لم يسأله :

- أنا وأحمد اتجوزنا عرفى من يوم ما سبت البيت .. وهنتجوز رسمى لما بيتنا يجهز ..